راوية المصري
أديبة لبنانية مقيمة بالسويد.
 
 

سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه كالسهم يخترق أعماق الوجود، يوقظ في الروح زوبعةً من التأملات، ويُشعل في الفكر نار التساؤلات.

 أنا تلك الذات التي تقف على حافة الكون، تتأمل المجهول وتصارع الزمن. أنا الكيان الذي يحمل داخله تناقضات الحياة بأكملها؛ بين القوة والهشاشة، بين الأمل واليأس، بين النور والظلام.

لكن، هل أنا ما أراه في المرآة ؟ أم أنني ذلك الصوت الخافت الذي يهمس لي في ساعات الوحدة ؟

 في عالمٍ يضجّ بالألم، حيث تتشابك الحقائق بالأوهام، تصبح الذات ساحة معركة بين ما نؤمن به وما يُفرض علينا.
 
الذات ليست مجرد انعكاسٍ لما حولنا؛ إنها جوهر يتجاوز المظاهر، إنها الحقيقة التي نحاول اكتشافها وسط ضجيج الحياة.
 
لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف ذاته في عالمٍ يتغير كل لحظة؟ كيف يمكننا أن نُعرّف أنفسنا ونحن محاطون بمرآةٍ مشوهة تعكس صوراً لا تشبهنا ؟
 
 هل يكفي التفكير وحده لفهم الذات..؟ أم أن التجربة هي المفتاح الحقيقي؟ ربما تكون الذات أشبه بلوحةٍ فنية لم تكتمل بعد؛ كل تجربة تضيف إليها لوناً جديداً، وكل ألم يرسم فيها خطاً عميقاً.
 
الألم هو المعلم الأعظم للذات. إنه ذلك الشعور الذي يكشف هشاشتنا ويعيد تشكيل قوتنا. في لحظات الألم، نتعرى من كل الأقنعة ونواجه حقيقتنا العارية.
 
 لكن هل الألم عدوٌ يجب الهروب منه؟ أم أنه صديقٌ قاسٍ يعلمنا كيف نعيش بصدق..؟ ربما يكون الألم هو الثمن الذي ندفعه لنصبح أكثر وعياً بذواتنا وأكثر قرباً من حقيقتنا…
 
 لا يمكن للذات أن توجد بمعزل عن الآخر. نحن نُعرّف أنفسنا من خلال علاقتنا بمن حولنا؛ بالحب والكراهية، بالفهم وسوء الفهم. الآخر هو المرآة التي نرى فيها أنفسنا بوضوحٍ أكبر أو بتشويهٍ أشد. لكن كيف يمكن أن نحافظ على أصالة ذواتنا في عالمٍ يحاول باستمرار أن يُعيد تشكيلنا وفق معاييره..؟
 
في النهاية، ربما تكون الذات ليست شيئاً يجب اكتشافه بقدر ما هي شيء يجب التصالح معه. التصالح مع تناقضاتنا، مع أحلامنا المجهضة وآمالنا المستحيلة. التصالح مع ماضينا الذي يطاردنا ومستقبلنا الذي يخيفنا. التصالح مع حقيقة أننا بشرٌ نحمل داخلنا عظمة الكون وضعفه في آنٍ واحد.
 
 أنا لست الإجابة النهائية على سؤال “من أنا”. أنا مجرد محاولة لفهم هذا السؤال العظيم، محاولة قد تستمر طيلة حياتي. وأنا هنا اليوم، أضع هذه الكلمات كدعوة لكل قارئ ليبدأ رحلته الخاصة نحو ذاته… لأن الذات ليست مجرد سؤال بل هي الإجابة التي نبحث عنها جميعاً…
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending