الأديب والشاعر: بيان الصفدي (سوريا)
 
 
بعثرتـُها..
كانت شظايا في خطايَ
طفولةٌ مجروحةٌ
يمتدُّ من أدراجها غيمٌ ثقيلٌ
ناعمُ القطرات فوق الصخرِ
مُبْتـَّلاً بها.
بعثرتها..
كانت خطاي أليفةً
في بئرها الأولى التي تمتدُّ
حتى تدفـُقَ النبعَ العميقَ
تهزُّني فيها عذوبةُ أن نفيضَ
و أن نطيرَ
ولا نرى ظلاً لنا
فوق الزوايا المائلاتِ
و عبْر أوديةٍ
ترِنُّ بها خـُطانا.
***
كـُرَة من اللهب البهيجِ
يَهيج في أطرافها صوتٌ سماويٌّ
يُغلِّلُنا بأسرار نروح لها سُكارى
لم يزنـِّر جِيدَنا إلا الغبارُ!
متى قرأنا في دفاترها
المبعثَرةِ الجميلةِ
ما يخُط ُّ الغيبُ؟
غادرْنا قرانا..
***
مدنٌ مهيَّأة بكل الحزنِ
تستلقي على عَتَباتنا الأولى
تشمُّ ترابَنا المَخْفيَّ
تَذْرونا على طرقاتها
و تلمُّنا حيناً..
و تَعرُكنا..
و لكنْ..
لا ترانا.
***
خطَّ الدمُ المهدور في صفحاتنا جيلاً
و أخفى في سراديب النهارِ
المعتمِ الدمويِّ أشلاءً
عبَرْنا جسرَها عُمْياً
إلى عتبات هذا التيهِ
كم دربٍ مشَيناها!
و كم سفنٍ لنا تاهتْ!
و أطلقنا صَواريَها إلى بحر من الظلماتِ
تأخذُنا شواطئُهُ
و تلقينا على جَمْراتها
عَسسٌ أنيقون اِستفاقوا فجأةً
و بنَوا لنا جُزراً من الأوهامِ. .
أحلاماً من الإسمنتِ
تصبُغها دمانا
***
قرؤوا علينا ما تيسَّرَ
من كتاب النار و الطاغوتِ
و اقتسموا بقايا الحُلْمِ. .
و انداحوا كطُوْفان من الهالوكِ
يَنهَش في بقايانا..
و سَلـُّوا صارماً
و تلـَوا أباطيلاً
و قلنا تكذبون لهم
و صدَّقهم سوانا.
***
رُبَّانا أعمى
أدار الدفـَّة العمياءَ
في هُوج العواصفِ
و اصطففْنا خلفهُ
متلفـِّعين بنجمة غابتْ
و لم تكُ للسفين سوى الغَوايةِ..
حَتـْفـُها المجهولُ
تمشي نحوه سَكْرى
نُقَطـِّر شوقَنا مطراً
و نعصر غيمنا وهماً
و نَهْمي فوق أطلالٍ
خرائبُها شواهقُ
بومُها في الصبح يُنْشدُ
أغنياتٍ من نـُثار الملح فوق الجرحِ
تذروها رياحٌ…
ثمَّة الليلُ البَهيم يَهيمُ
تتبعُه الخرائبُ
مُنْتشين بظلمةٍ
تمتدُّ في الكلماتِ..!
تعجِنُها على مَهَلٍ
فتلمعُ في أَسانا
***
في لحظة ما
قد نعودُ
مُكلـَّلين بتاجنا الشوكيِّ
ننفُض عند أعتاب الطفولةِ
ما تبقـَّى من غبار الرحلة الشَّوهاءِ..
نبكي خيمة أوتادُها الأضلاعُ..
أحجاراً سرقْنا نارَها..
رفقاءَنا اَلغابوا
اَلزوايا..
اَلأمسياتِ..
خزائنَ الجدَّاتِ..
بيدرَنا البعيدَ..
اَلبركة َ..
اَلناطورَ..
أطفالاً هنا لم يكبَروا..
اَلكرْمَ الذي لم يبقَ كرماً..
نطرق البابَ الذي في البالِ
ظلَّ مُوارَباً
وبمثل ما كنَّا هنا بالأمسِ
ندخلُهُ
فيفجَؤنا هدوءٌ شاملٌ
ما لا يعودُ..
يعودُ
في البيت الذي كنـَّاهُ
نُخْفي وَحشةً..
إذ ْ نستريحُ
لأننا نبكي طلولَ الدارِ..
نسألها..
ولا أحدٌ يرانا..!  
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending