حفيظة مسلك
كاتبة وفنّانة تشكيلية (المغرب)

 
 
 لا أدري في أي وقت نحن! من يفكر كثيرا لا ينتمي إلى هذا العالم، صدقا، لا أملك أدنى إنجاز ليسرّ قلبي ويبعث على البهجة، كلها أحداث تراقصني لسبب ما، وهذا الأمر لا أراه إلا أنا، لدرجة لا أشعر بأنني أكبر، توقف بي الزمن ذات يوم، فكنّا على وفاق، عهد متين، ووعد صادق، كل ما أشعر به هو أني على قيد الحياة، مما يستدعي مني المحاولة لترتيب دواخلي.
 
 وأنا صغيرة، لم يكن لي نصيب في اللعب الذي يتطلب مجهودا بدنيّا، كالقفز على الحبل، لطالما سقطت، أو الركض عبر الأزقة، إذ كنت أجري في مخيلتي فقط، حتى الفراشات كنت أعشق شكلها وتقاسيم أجنحتها، لم أستطع القبض على واحدة، حينها أتت العزلة بكل أطيافها.
 
 قُبالتنا مؤسسة تعليمية، كنت أحبذ فكرة الاتكاء على الجدار، أجلس وأحول المحيط حولي إلى شاشة، أراقب عبرها تحركات البشر، خاصة طريقتهم في المشي، لا يتشابهون، كل خطوة تشبه الخطأ المتكرر، بل وأتفحص ملامح وجههم، عندما يخيب أملي ويقلّ صبري من عليائه وثورانه بسبب المراقبة، أجعل من الوحل أو ” الغيس” صديقا لي، يعرفني حق المعرفة، أغمس يديّ فيه وأتلذذ بنعومته، لزج لا يظلم أحد، أحضر القوالب كيفما كانت وبعضها أسرقها من المطبخ، أنتظر حتى تتجمد تحت أشعة الشمس، ناظرة إليها كلما حجبتها الغيوم، أتأكد من رعونتها وحاجتها لمزيد من الحرارة، وقد أعزلها عن القالب، فتتهشم لتطالبني بإعادة بنائها من جديد.
 
 بعضهم كان ينظر إلي باستغراب، كمن أدافع عن سرّ دفين، أو أجسد شخصية غريبة، وآخرون يستغرقون في الضحك بسبب القوالب حولي، أما أنا والوحل قصة عشق لا تنتهي، كنت أدبر أمري في بعض المرات لحملها إلى سطح المنزل، وقد أتركها مع العلم أنه لن يمسها بشر، لا أحد يهتم بالقوالب الملأى بالوحل غيري، في هوى تشكيله متعة لي وبقائه الحارس الأمين لصداقتنا، يحرس طبعي كفنانة تجيد مغازلة الأشياء حولها، قد تكون اللغة التي كنت أتحدث بها غير مفهومة للبعض آنذاك، فأنا لا أحتاج للكلام علانية، كانت لغتي الفن كي أعيد بناء وتدوير الأشياء في صورة وروح جديدة.
قد يكون هذا القذر الذي يلطخ كل جديد عند المارّة وأطفال الحي، غير مرحب به، وصل بي الأمر إلى فعل ما يفعله الهنود الحمر عندما يرسمون على وجههم علامات ورسومات، تدعم حكاية أو اسطورة أو استعدادا لشيء، رأيت في كل المسمّيات بائعة الوحل بدل بائعة الكبريت، فمن يشتري القوالب والمجسمات التي كنت أصنعها؟ لا أحد. أغرب حوار قصير دار بيني وبين سيدة أتذكرها جيدا، عبارتها كلما مرّت بجانبي فوجدتني في تلك الحالة، قائلة:
_ إذا بقيتي هكذا تلعبين بالوحل فستغرقين فيه..يّخ!
لكن جوابي الذي أتذكره جيدا ولا يمكنني نسيانه.
_ أنا “أرملة” ولا يهمني شيء يا خالة.
 
 كانت تضحك بسخاء لطريقتي السريعة في الرد، وأنا بدوري كنت أتساءل متى تزوجت وترملت وأنا ما زلتُ طفلة صغيرة !؟
كبُرت، وعشقي للنحت وكل ما له علاقة بالطين والإسمنت لم ينتهِ، في صيف السنة الماضية رجعت إلى هوايتي، أردت صنع مزهرية بواسطة نفاخة، حيث ملأتها بالجبص السائل، له أساسيات وقواعد لتنجح العملية، ولسوء حظي انفجرت في وجهي، كَ قُ نْ بُ لَ ة جبصية، غمرت وجهي وملابسي وشعري والجدران ” وغطاء السدّاري ” فقلت في نفسي:
_ الفن الفن الفن.. يا لمصيبتي !
 
 حدقت في كل شيء برعب وقلق متصاعد، أمي لن تسكت اليوم! ستوبخني لا محالة، الآن لست بالفنانة بل أصبحت المجرمة. سارعت إلى تنظيف وجهي كي استعيد الرؤية ولولا نظارتي لأصبحت عجينة بيضاء، مسحت الحائط ورائي لأزيد الطين بلّة، تحول إلى لوحة تجريدية، استعملت أصابعي لخدشه فتحول إلى قطعة جميلة، بقيت فترة أميل برأسي وأنا أتمتم:
_”والله تا لوحة رائعة “.
 
 شعري هو الآخر أصبح متصلبا فقد نسيته، كمن أغدق عليّ بدلو من الطلاء الأبيض، ابتلعت ريقي وأنا أشاهد والدتي واقفة أمامي، كان الصمت يخيم على الكارثة التي تسببت بها، ضيّقت عينيها وتنفست ثم قالت:
_ اذهبي ونظفي نفسك.. تبدين مثل أفلام الرعب!
 
انصرفت وأنا أردّد بل هو ” الفن الحديث” ولكنه لم ينقذني للأسف.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending