الكاتبة: سعاد غانم (سوريا)
 
 
 

في عيد ميلاد ابنتي، كان ما يقارب خمسة عشر شخصاً، من مختلف الأجناسِ والأنواعِ، كانت المائدةُ عامرةً بأصناف الطّعام والشّراب. جلستُ في ركنٍ قصيٍّ، أراقبُ وأتحسّر على أيامي.

إيه… رزقٖ الله على أيام زمان، أتذكّرُ عندما سألتُ أميّ عن تاريخ مولدي، قالت بسعادةٍ: والله يا ولدي أنت محظوظٌ، وُلدتٓ عندما كان موسم الحصاد وفيراً، وقتها عبّأنا كفايتنا من القمح والطحين، ولم نحتج للاستعارة من الجيران أو الأقارب، أمّا أخوك – يا حسرتي عليه – وُلدٓ سنة محل موسم الزّيتون، كانت تلك السنةُ من أصعب السنينٓ، وكما تعلم كم نحتاج لزيت الزّيتون في حياتنا، والذي لا يمكن الاستغناء عنه، وزيادة على ذلك وقع أبوك عن الشّجرة وانكسرت ساقه، وزاد الأمر سوءاً فقد مات العجل الذي ولدته بقرتُنا الوحيدةُ، الذي كنّا نعوّل على سعره بتأمين بعض الضروريات.

وكما يُقال: ( المنحوس منحوس حتى لو أشعل ألفٓ فانوسٍ ).

قلت لها: أمّي ألا تتذكرين في أيِّ شهر أو في أيِّ يوم وُلدتُ؟ ركّزي أرجوك.

حتى أعرف لأيِّ برج أنتمي، لأ قرأ طالعي وما تخبئه لي الأيام القادمة.

أنا أسامحكم بعيد ميلادي، ولا أريد من أحد أن يقول لي كل عام وأنت بخير، لكن على أيِّ أساس سأشتري كتاب الأبراج الذّائع الصيت! الذي يقتنيه كلّ أقراني ويتبجّحون أمامي بقراءة أبراجهم المرتبطة بحركة الكواكب، أو حتّى أستدرج من أحبّها في حديث تحبّه وتطول به جلسة الصفا، الفتيات كما تعلمين مولعات بقراءة الأبراج وطوالعها.

إيه… رحمك الله يا أمّي، ليتك كنت معنا لنحتفل بعيد ميلاد ابنتي.

مهلاً.. هل قلت نحتفل، وهل خُلقنا نحن للاحتفال !

إيه يا أمّي كيف تفاءلت بمولدي، وأنا ما عليه الآن من حاجة، رغم شهاداتي التي ملأت الحيطان.

وأخي الذي وُلد في موسم المحل والقحط عرف من أين تُؤكل الكتف، ( وعمل السبعة وزمّتها ) ليصلٓ، وهاهو قد وصلٓ، وترقّى بالمناصب، وصار من أصحاب العمارات والعقارات، ويصفني بمجالسه بالغبيِّ، فعلاً أنا غبيُّ وحمار، لم أسرق ولم أرتشِ، وكان بمقدوري أن أفعل السّبعة وزمّتها كما يقال، لكن ضميري… الله يلعن هالضمير، ليتني دفنته بتلك الأوراقِ الخضراءِ، أو بكم شوالٍ من الأموال التي عُرضت عليّ مقابلٓ تمرير صفقاتٍ مشبوهةٍ، ما كنت أضطررتُ على الاقتراض الٱن.

وابنتي تريد أن تقلّدٓ أبناء الأغنياء، وتعملٓ عيدٓ ميلادٍ ، وأنا منذ يومين أخذتُ قرضاً كي أسدّدٓ ديوناً متراكمةً، أخجلُ من أصحابِها، حين أراهم من بعيدٍ أغيّرُ طريقي حتى لا أضطّر أن التقيهم.

تململٓ وهو يشعرُ بالحرج، ولم ينتبهْ إلى لفافةِ الدّخان المشتعلة وهي تسقط على ثيابه، لم يبالِ بلسعة الحرق، انتفض يفتّشُ جيوبٓه، لينقذٓ ما فيها قبل أن يمسّهُ الضررُ.

الحمدُلله البطاقةُ الذكيّةُ بأمان، إن احترقت لن أقدرٓ على شراء ربطة الخبز، ولا… ولا… ولا البنزين ،ولماذا البنزين ؟وهل أنا أملكُ سيّارةً ! أو حتى لو كان عندي سيّارة، هل أقدرُ على تعبئة خمسةِ ليترات! فسعرُها يفوق راتبي.

بالمناسبةِ أين وضعتُ نقودٓ القرض؟!

أظنّ أعطيتُها لزوجتي كي لا أبذّرٓها قبل إيفاء الديون.

يا ويلي إن كان ما أفكر به صحيحا !

أمعقولٌ أن تكونٓ قد تٱمرتْ مع ابنتها لتصطادٓ عريساً دسماً غنياً، عريسُ الغفلةِ، أبو عيون زايغة، أحضرتْهُ لعيد ميلادِها لتوهمٓه بأنّها من مستواه المادي، وتغويه كي يقعٓ في شباكِها، وسيكونُ هو صنبورُ المال الذي لا ينقطع.

أليس ابن ذلك المسؤول الحرامي !

تشوشٓ عقلُهُ؛ خلعٓ الجاكيتٓ وبدأٓيرقصُ كطائرٍ مذبوحٍ، والبطاقاتُ تتطايرُ وتحطُّ تحتٓ قدميهِ.

 
 
 
 
 

رد واحد على “عشنا وشفنا.. قصة قصيرة، للكاتبة: سعاد غانم (سوريا)”

  1. نص يتميز بانسيابية وسلاسة سردية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending