
أفلح خالي العاطل عن العمل منذ سنوات بشراء سيارة قديمة، قيل أنها مجمعة أو ملفقة من مخلفات الجيش البريطاني عندما كان له معسكر كبير قريب من محطة ضخ النفط في منطقتنا. استطاعت جدتي تدبير ثمنها من بيع ارث زراعي صغير قديم، واستدانة من بعض الأقارب. أشار لخالي أصدقاء وأقارب أنه يستطيع أن يشغلها في نقل مسافرين بين بلدات وقرى قريبة من بلدتنا أيس في أعالي الفرات. ولكن جدتي قررت أن لا يبدأ عمله بالسيارة قبل أن تؤدي نذرا لأحد أولياء الله الصالحين الذي يبعد ضريحه عنا حوالي عشرين كيلو مترا! أمرت بنحر خروف، وزعت منه للفقراء، والجيران، وعملت أقراص خبز محشوة بلحم وشحم وبصل، واحضروا إبريق شاي كبير، وقررت أن نتوجه جميعا بسيارة خالي إلى ضريح الولي الصالح للدعاء عنده لمباركة السيارة والدعاء بالتوفيق لخالي في عمله الجديد! حشرونا نحن الأطفال في الحوض الخلفي للسيارة المكونة من ثلاثة أحواض وكنا فرحين سعداء نغني ونهزج ونضحك طوال الطريق رغم إنهم كدسونا فوق بعضنا وأزهقوا أنفاسنا. بعد مسير ملتو تخللته توقفات مرة لعطل خفيف في السيارة، ومرة لأوامر من جدتي أن نقف لتلقي بعض الأدعية كلما مررنا بضريح أو قبر قديم وما أكثرها في منطقتنا التي كما قيل أنها كان موئل صوفيين وروحانيين كثر. وكلُ له كرامة وشفاعة عند الله. كما تقول جدتي. توقفت السيارة وسمعت خالي يقول:
ــ وصلنا، هيا انزلوا.
تسربنا من السيارة كفراخ الدجاج ووقفنا ننتظر أن نتجمع لنسير معا، ولكن جدتي ظلت تدور حول السيارة وهي تولول وتتفوه بكلمات لا أفهمها ، ولا ندري عم تبحث، أخذت تلوح بيدها بوجه خالي الذي أطلق ضحكة قصيرة،أحنت ظهرها المقوس تحت السيارة تنظر وعادت بنظرات كسيرة. أخيراً فهمنا أن جدتي حين صعدت السيارة ونحن في المدينة خلعت حذاءها كما كانت تفعل حين تدخل بيتا أو مكانا مفروشا، وتركته هناك، ولم تحمله معتقدة أنها في بيتها أو بيت يستضيفها! وها هي الآن تبحث عنه في الأرض عند باب السيارة:
قال خالي وهو يضحك:
ـ ماذا تعتقدين يا أمي؟ هل طار حذاءك خلف السيارة ليحط هنا عند بابها بانتظارك؟
قالت بغضب :
ـ هذا الحذاء عزيز جدا علي ، جلبوه لي من الديار المقدسة مع سبحة الصلاة، وأن أضيعه، تلك إحدى الكبائر!
وراحت تلوح بيدها أمام وجهه، وربما لو كانت تحمل عصاها كما في البيت لضربته كما كانت تهشنا أو تضربنا. لكنها راحت تجول ببصرها في الفضاء وكأنها أخذت تتصور أنه فعلا طار خلفها، ثم بدأت ادعيتها وابتهالاتها من اجل حذائها. خالي راح يتساءل :
ــ ألم تلحظوا الحذاء ، على الأرض، لماذا لم تحملوه!
سمعت أمي تقول:
ـــ هي حرصت أن ترانا ندخل السيارة ثم تكون آخرنا.
بادرت أمي وأعطتها حذاءها. كانت الأرض ترابية عليها بعض الحصى الناعم، وسرنا بين ضاحك وواجم نحو الضريح مشروخ القبة والجدران والمبني من حجارة صفراء قديمة في حضن واحة من النخيل وأشجار السرو الممشوقة. المصيبة الكبرى أن جدتي نست أن زيارتنا كانت من أجل سيارة خالي وعمله الجديد، وراحت تملأ فناء المزار الصغير ابتهالات وأدعية أنها حين تعود تجد حذاءها الذي تقول أنه مبارك! وحين تصحو قليلا اسمعها تردد:
ـ ربي لا تحرمني إياه، ربي لا تجعلني أسهو عنه!
كنت قريبا منها ولم اسمعها تدعو لابنها بسلامة سيارته، والتوفيق في عمله!
خرجنا من مبنى الضريح وجلسنا في ظلال النخيل وكنا في آخر الصيف نلتهم الخبز الدسم اللذيذ ونشرب الشاي، وكنت ألحظ أن جدتي حزينة وتشعر بذنب كبير أنها فقدت حذاءها الذي جلبته لها صديقتها الحاجة وأملتها أن الله سيمن عليها بحجة قريبة.
عدنا وكل من في السيارة يتحدث عن الحذاء، حتى نحن الأطفال، ونخمن إن كنا سنجده أم أنه سيختفي إلى الأبد. ففقدانه صار نذير شؤم لنا جميعا وأفسد رحلتنا. ولكن بعد لحظات من وصولنا وجدنا أن صبيا من الجيران عثر عليه في مكان سيارة خالي واحتفظ به لنا. استلمته جدتي بفرحة كبيرة كادت توقف قلبها! هل انتهى كل شيء؟ لقد تحولت حكاية الحذاء إلى نكتة مدوية في أيس والمناطق المجاورة، كما أخذت سيارة خالي المرقعة والمفككة تعطل بين يوم وآخر، وعمل خالي يتلكأ ويتوقف في انتظار تصليح السيارة بين فترة وأخرى، قائلا أن السيارة حتى حين تعمل لم تكن تدر عليه ما يساوي ثمن البنزين! بعضهم أرجع ذلك أن جدتي لم تجعل الزيارة من اجل السيارة، بل من أجل حذائها الذي فقدته. والبعض الآخر تحدث أن الطرق الوعرة غير المعبدة بين قرى وقصبات المنطقة قد أنهكت السيارة القديمة وان القرويين الذين يصعدون السيارة مع خرافهم ودجاجهم وحدائد مكائنهم كان اغلبهم لا يدفع له شيئا؛ أو يدفع القليل،وينبري أحدهم لجمع الأجرة ثم يضعها في جيبه، وينسل مع النازلين في الطريق. وحين كان خالي يقول لهم: “في الأقل ادفعوا فلوس البنزين: يرد معظمهم بكلام لا معنى له مرددين عبارتهم المتداولة “نحن أهل البانزين”! اضطر لبيع السيارة بثمن بخس، وعاد إلى البطالة والعوز. كان بعضهم يقول له بين الجد والهزل:
ـ أنت محظوظ ، خرجت بأقل الخسائر كان يمكن لعدم شفاعة الولي لك أن تنتهي بانقلاب سيارتك على الطريق، وربما فقدت حياتك، أو أطرافك!
بعض ممن يحبون المرح والضحك حتى على مصائب الآخرين كان يقول كلما التقاه:
ـ لو كان حذاء والدتك طار خلف سيارتك؛ لكنت الآن صاحب شركة نقليات كبيرة!
كانت جدتي تغضب حين تسمع ذلك وتقول أن كل أدعيتها وابتهالاتها في المزار كانت من أجل السيارة وليس الحذاء. خالي الذي تخلص من السيارة بصعوبة وخسارة فادحة، لم يتخلص من أقاويل الناس وتعليقاتهم حتى صار لا يخرج من البيت إلا نادرا، بعضهم يلومه:
ـ لماذا تخليت عن هذه السيارة الانجليزية المتينة بسهولة؟ لو وجدت مصلحا خبيرا، وأدوات غيار جيدة، كنت حصلت على سيارة فاخرة ونادرة!
لكن ثمة ممن عرفوا بلجاجتهم وهوسهم في السياسة ببلدتنا أرجعوا فشل خالي في مشروعه إلى الاستعمار الإنجليزي،وليس إلى الجدة وحذائها،يقول أحدهم لخالي:
ـ السيارة من مخلفاته الرديئة والخبيثة؛ كيف عقدت عليها الآمال؟
ويهتف آخر كما في مظاهراتهم القديمة الكثيرة:
ـ يسقط الاستعمار!




اترك تعليقاً