فريدة العاطفي

كاتبة مغربية مقيمة بفرنسا

 

حدث هذا قبل سنة، سمعت طرقاً على الباب، فتحت لأجد أمامي رجلاً طويل القامة، عريض المنكبين، يضع نظارات طبية، قدم لي علبة بيض وهو يقول: ” هذه لك، لقد نسيتيها البارحة في السبير ماركت.”… تذكرت أنّني كنت البارحة في السبير ماركت وبالفعل نسيت هناك علبة بيض، ورأيته هناك، وكنت أراه في الحيّ كثيراً قرب عمارة، في البداية كان يحيّيني عن بعد، ثم بدأ يقترب… إلى أن بدأ حديثا معي البارحة، لكن كان لدي موعد مع البلدية، وبعده الذهاب للتسوق، لم أتوقع أن أجده ورائي في المحل التجاري، هل كان الامر صدفة؟ أم تبعني؟ لا اعرف، كما لا اعرف، كيف وجد عنواني؟ أعطاني رقم تليفونه وهو يقول: ” إذا احتجت أمراً، أو مساعدة أنا موجود.”

 
وضعت الورقة داخل كتاب… ونسيت أمر الرجل… كنت ألتقيه أحيانا ، فيلوح لي بيده من بعيد… إلى أن اقترب مني يوما وهو يقول: ” لم أرك منذ مدة يبدو أنك لا تخرجين من البيت.” استغربت، فأجبته: ” كيف لا أخرج من البيت، ومن سيقضي لي واجباتي والتزاماتي؟ أنا فقط كنت مشغولة جدا، وكنت أتسوق من مكان ٱخر.” فرد معتذراً: ” ٱسف، في الحقيقة أنا الذي لا يخرج من البيت. “سألته مندهشة: ” لماذا لا تخرج من البيت ؟ ألا تشتغل؟ ” فرد: ” توقفت عن العمل، كنت أشتغل في مركز لمراهقين كنت احبهم، وأستمتع بالعلاقة معهم… اخذتهم الى مناطق جميلة في العالم ، لكني توقفت عن العمل لأنني antrophobe، مرضي أنني أخاف من الناس…”.
L’ antrophobie اضطراب نفسي يوجد بمستويات عديدة وحين يصل إلى ذروته العليا ينعزل أصحابه في بيوتهم، ولا يتحملون التجمعات الكبرى، وهناك أطفال مصابون به، يدرسون في بيوتهم ولا يذهبون إلى المدارس
تأملته بأسف… رجل طويل، عريض، في عز نضجه ويخاف من الناس سألته: ” وأنا لا تخاف مني؟ “، رد: ” لا اعرف لماذا لا أخاف منك، تبدين لي إنسانة صافية ورقيقة، لكنّك مثلي مهدّدة وبحاجة للحماية من الناس.”
استمعت إليه لفترة ثم ودعته وهو يقول: ” اتصلي بي أنا وحيد.”
 
وبالفعل اتصلت به، فوجئت حين وجدته يقرأ للأكاديمية والكاتبة الجزائرية ” ٱسيا جبار.” كان معجبا بها وبالكثير من الكتاب الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية… كان رجلا قارئا، يلتهم الكتب، لكن القراءة لم تساعده على فهم جرح عميق في روحه قاده الى الهرب من الحياة.”
 
توالت اتصالاتي به، في كل مرة، أريد أن أسأله عن الحدث الذي خلق عنده الخوف من الناس، لكني فضلت ان يتحدث عنه من تلقاء نفسه، أو أفهم أنا الامر ما بين السطور، ربما أستطيع مساعدته، لكنه لم يفعل، كان يكتفي بالحديث عن حياته السابقة التي كانت مليئة بالناس و الأسفار… سافر كثيرا إلى أمريكا اللاتينية، قال لي يوما: ” حين تحبين السّفر إلى أمريكا اللاتينية وبالخصوص كوبا، أخبريني سأدلك على أناس تقيمين معهم، لدي معارف كثيرة هناك، كنت أستأجر منهم غرفا وأحتفظ بعلاقتي بهم.”.
 
لكنّه اختفى قبل أن أسافر أنا إلى أمريكا اللاتينية، أو كوبا… وقبل أن أعرف سبب مرضه، آخر مرة التقيته كانت في الحيّ… وكان الزّمن مساء من صيف مضيء، وهو يقف قلقا، متوترا، قال: ” إنه ينتظر سيارة لتحمل أغراضه لأنّه يرحل، سيترك أغراضه عند أبنه الذي يسكن مع صديقته قريباً منه، ويعود إلى الجزائر.”
سألته: ” ماذا ستفعل في الجزائر بعد أربعين عاماً من الإقامة في فرنسا..!؟ “
أجابني: ” سأصطاد السّمك في قرية نائية… بعيداً عن النّاس.”
 
ثم اختفى.. وغاب في زحام الحياة… هرباً من الحياة، أو ربّما من نفسه… خوفاً من النّاس..
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending