الكاتب: د. حسن اليملاحي (المغرب)
 
 
 
تعرفت إلى السيدة مانويلا ذات سبت من سبوت فصل شتاء فائت. كنا جميعا نحتفي بأعياد الميلاد في بيت السيدة خوانما. لم أجد أي تكلف في الحديث إلى هذه المرأة الشابة التي تنحدر من نواحي برشلونة. أعترف أنها لم تكن جميلة، لكنها تبدو ذكية منذ اللقاء الأول. 
 
 
بعد أن تناولنا العشاء جميعا، انصرفنا خارج البيت لمتابعة انتهاء ما تبقى من السنة. كان لابد أن نتوقف قليلا في بلاسا كاتالونيا، للاستمتاع بالأجواء الليلية والفرح الذي يعم هذا الشطر من برشلونة. قبل الوصول بقليل، تحدثنا قليلا عن الإجازات السنوية وعروض وكالات السياحة المغرية والسفر بعيدا عن كاتالونيا طلبا للراحة من ضغوطات اليومي ورتابة العمل. مانويلا طلبت مني – من باب المجاملة – السفر معها إلى ساوباولو عاصمة البرازيل. 
 
 
لقد عشقت هذه المدينة الجميلة – الواقعة جنوب شرق البرازيل – بسحر جمالها وحدائقها الفاتنة ومنتزهاتها العجيبة ومتاحفها الرفيعة. كان لا بد أن أشكرها على دعوتها الكريمة، وبعد ذلك أخبرتها بأني أفضل قضاء إجازتي السنوية، إما في باريس أو لشبونة لأني لا أتحمل السفر في الطائرة لأكثر من ساعتين. ولكي نلتحق بأصدقائنا، وعدتني مانويلا بأنها قد تسافر معي إن سنحت لها الظروف بذلك . السفر مع السيدات له طعم خاص. ما زلت أتذكر سفري إلى باريس برفقة لوسيرا. لقد كان ممتعا وسعيدا.
 
 
أعي جيدا أنه ليس في مستطاع مانويلا السفر بعيدا هذه المرة، إنها المسؤولة عن طفلها ألبرتو، بعد أن تخلى عنهما إنريكي مفضلا العيش مع أوليفيا بمدينة سالو ضاحية تاراغونا. لقد تعاطفت كثيرا مع مانويلا ، بعد أن علمت بما حصل لها من حكايات مأساوية مع زوجها السابق. الأزواج هنا – في برشلونة – يقلقون كثيرا ويصابون بالاكتئاب بفعل ضغوطات الحياة وإيقاعاتها المتسارعة، فيما البعض الآخر يبحث عن أقرب الحلول كي يفر بجلده بعد أن تتأزم علاقاتهم الزوجية وتدخل منعطفا ينذر بالكثير من المخاطر. 
 
 
يحدث هذا كثيرا مع الزوجة النكدية التي تطلب كثيرا ولا تعطي قليلا. الكثير من الأزواج الذين جمعتني بهم ظروف العمل في مناسبات عديدة، عاشوا هذه التجربة المريرة، أذكر من بينهم، دييغو (صاحب ملهى القمر) وخافيير (مالك مطعم الباردايس) وسيرجيو (رب نادي كمال الأجسام). جميع هؤلاء شربوا من نكد زوجاتهم.
 
 
توقفنا جميعا في بلاسا كاتالونيا لنستمتع بأجوائها اللييلة وأضوائها الساطعة وأشجار الميلاد الشامخة التي تملأ جنبات الشوارع المحاذية لها، أما الموسيقى فتنبعث من كل المحلات التي بقيت مفتوحة الأبواب إلى حين الانتهاء من هذا الحفل السنوي. إنها المرة العاشرة التي أحضر فيها هذه الأعياد في الخارج، أما باقي المرات الأخرى، فأفضل الاحتفال بهذه الذكرى في بيتي. لم يكن في نيتنا البقاء أكثر في هذه الساحة، لقد حجزت لنا إيفا طاولة في مطعم الليالي الخمس عشرة، وهو من أرقى المطاعم التي يؤمها السياح وأكابر القوم من هذه المدينة البلهاء.
 
 
لقد بقينا نتجاذب أطراف الحديث ونتقاسم هذه الليلة الماطرة بالمحبة حتى وقت متأخر. وقبل أن ينصرف كل واحد منا إلى حال سبيله، تبادلنا أرقام هواتفنا على أساس الالتقاء ببعضنا البعض مرة ثانية. في الطريق، وجدتني أفكر في أمر مانويلا وأنا أتساءل:
– هل هي امرأة نكدة بالفعل، كما أخبرتني إيفا..!؟
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending