الكاتب: عبد الجليل الوزاني التهامي (المغرب)
 
 
 

الإبداع الأدبي، كما هو معروف، يقوم على إنشاء أعمال أدبية فريدة ومتميزة، سواء كانت قصصًا، ‏روايات، شعرًا، مسرحيات، أو أي نوع آخر من الكتابة. يعتمد هذا الإبداع على استخدام اللغة بطرق ‏مبتكرة وبليغة، للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانية‎.‎

تُعد الكتابة الركن الأساس الذي يتحقق من خلاله الإبداع الأدبي، وهي من أهم عناصره. وعندما نحاول ‏تعريف “الكتابة الإبداعية”، لا نجد تعريفًا واضحًا وشاملاً، بل نجد إحساسًا داخليًا يُشعرنا بما تعنيه ‏الكتابة، وهو شعور يتجاوز الحدود اللغوية ولا يمكن محاصرته بتعريف جامد، لأن التجربة الإبداعية ‏أوسع من القوالب التقليدية‎.‎

الكتابة الإبداعية هي خلق وإنشاء متوجه نحو الجمال، نحو عالم مثالي يتسم بالكمال. وبالتالي، شرط ‏الجمال أساسي في كل عمل كتابي، على الرغم من اختلاف الناس حول مفهوم الجمال، حيث يرى كل ‏شخص الجمال من منظوره الخاص‎.‎

الكتابة هي رفض للواقع وتأسيس لواقع آخر جديد نسعى إلى تحقيقه، فهي عملية نفي لما هو سلبي ‏واستحضار لما هو كامل، هدم وبناء في آن واحد، وسعي نحو الخلود والمطلق. إنها هروب من الإحساس ‏بالقيود والألم، وركض نحو عالم نطمح إليه‎.‎

الكتابة هي فعل مقاومة للزمن، وتحدٍّ للموت، فهي تعبير عن تطلع الإنسان نحو الأبدية رغم محدوديته ‏الفانية‎.‎

الكتابة الإبداعية هي تجاوز لما وقع إلى ما يجب أن يقع، وتجاوز ما حدث إلى ما يجب أن يحدث. إنها ‏صياغة الكون من منظور الكاتب المبدع، وإعادة خلق التوازن بين الناس والأشياء والقضايا‎.‎

الإبداع الأدبي يُعتبر تحريضًا على التغيير الإيجابي ومواجهة الجمود والتقوقع، وكسر أغلال الذل ‏والهوان. الكتابة الأدبية، إذن، هي مقاربة للحياة التي نرغب فيها، وتجسيد لممارساتنا الفكرية والعاطفية‎.‎

وظائف الأدب تتعدد في المجتمع، ومنها تشجيع التفكير النقدي، ونقل القيم الثقافية، وتعزيز التواصل ‏الاجتماعي. الأدب يُلهم القراء ويوسع آفاقهم، ويساعدهم على تحقيق التطور الشخصي والاجتماعي‎.‎

الأدب لطالما كان عنصرًا أساسيًا في تطور الشعوب والحضارات، حيث حظي بتقدير الفلاسفة منذ ‏القدم. أرسطو، على سبيل المثال، كان يعتبر الشعر جزءًا مهمًا من الأدب، وقد تناول في كتابه “الفنون ‏الشعرية” أسس النقد الشعري ودور الإيقاع والأسلوب في التأثير على المتلقي‎.‎

الشعر العربي، منذ الجاهلية، كان له مكانة خاصة باعتباره ديوان العرب، وقد جاءت الرسالة المحمدية ‏معززة لمعجزة القرآن الكريم الذي تفوق بجماله اللغوي. النثر أيضًا لعب دورًا هامًا في التراث العربي، ‏وكان جزءًا من ازدهار الحضارة العربية في مختلف العصور‎.‎

في العصر الحديث، وخاصة في ظل الثورة التكنولوجية والرقمية، تواجه الإنسانية تحديات كبيرة تهدد ‏قدراتها الإبداعية. الروبوتات والعقول الذكية تقوم الآن بمهام كانت من اختصاص الإنسان، مما يقلل من ‏قدراته الابتكارية. الإنتاج الفني والأدبي الذي تقدمه هذه التكنولوجيا يفتقر إلى الروح الإنسانية‎.‎

لذلك، نحن بحاجة ماسة إلى إبداع بشري دافئ يعيد للإنسان إنسانيته، ويحميها من الانهيار القادم. الأمم ‏التي تتخلى عن إبداعها الأدبي والثقافي تتعرض للتدهور والانحطاط، وما نراه اليوم من تفكك في ‏المجتمعات الغربية نتيجة لهذا التراجع الأخلاقي والإبداعي‎.‎

ختامًا، الأدب مرآة تعكس تقدم الشعوب ورقيها، ولا يمكن لأي أمة أن تنهض إذا سقط أدبها، والعلاقة ‏التبادلية بين الكاتب والقارئ تجعل من الإبداع الأدبي عملية مستمرة ومتجددة‎.‎

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending