
الكاتب: د. خالد طحطح ( المغرب )
في رواية أنا قط. يسلم الروائي الياباني ناتسوم سوزيكي مقاليد السرد لهر ليبدأ سيرته الذاتية بهذه العبارات: ” أنا هر ولا اسم لي بعد. لا فكرة لي عن مكان ولادتي. كل ما أتذكره هو أنني كنت أموء في مكان مظلم ورطب، وهناك رأيت إنسانا أول مرة، وفوق ذلك كما علمت بعد ذلك، كان من فصيلة الطلبة، وهم أشرس النّاس “.
يقول القط عن لقائه بالطالب المذكور:
” لقد وضعني على كف يده ورفعني إلى أعلى، فشعرت بأنني أطير في الهواء، ثم نظرت فشاهدت وجهه. وكانت تلك أول مرة في حياتي أشاهد وجه إنسان، وما زلت أتذكر حتى الآن أنني شعرت حينها بشعور غريب. أولاً: كان له شعر ناعم يتدلى على وجهه الأصلع، فلقد قابلت كثيراً من القطط، ولكن لم أرَ وجهاً أصلع ومشوهًا مثل هذا الوجه. ووجدت تجويفاً بارزاً جداً في منتصف وجهه فيه فتحتان، ومن حين إلى آخر يخرج منهما هالة من الهواء، وكانت تلك أول مرة في حياتي أرى إنساناً. وبعد ذلك سألت فعلمت أن ذلك الإنسان هو طالب، وأن الطلاب هم أكثر أنواع الإنسان شراً، فلقد تبادر إلى مسامعي أن الطلاب يمسكوننا ويسلقونا في مياه ساخنة ثم يأكلونا “.
لم يكن القط محظوظا لأنه وقع بين يدي طالب أساء معاملته، فقد رماه على الحائط حتى أغمي عليه، ثم ما لبث القط أن حاز مكانا في بيت رجل يعمل مدرساً، وكان يأتي هذا الأخير من المدرسة فيدخل إلى مكتبته ويبقى فيه ولا يغادره طوال النهار، وبالتالي يقول القط في مذكراته أن أهل المنزل اعتقدوا أنه متفانٍ جداً في عمله، حيث تصرفاته كانت توحي بأنه كذلك فعلاً، ولكنه في الواقع لم يكن كذلك، فأحياناً يقول القط : “كنت أنظر خلسة إلى داخل مكتبته، فأجده دائماً نائماً في فترة العصر، وأحياناً أجد لعابه سائلاً على كتاب كان يقرأه ونام في أثناء قراءته، وبما أن معدته كانت حساسة، فلون بشرته يبدو أصفر شاحباً، وهذا اللون دليل على أعراض ضعف المناعة الذي يؤدي إلى الكسل، ورغم ذلك كان يأكل بشراهة. وكان بعد أن يملأ بطنه يتناول مشروباً يهضم الطعام، ثم يفتح كتاباً ويقرأ عدة صفحات ثم ينام فوق الكتاب فيسيل لعابه على الكتاب.
وكان هذا هو برنامجه اليومي. ورغم أنني فقط أقول أحياناً لنفسي: ” إن عمل الأستاذ عمل مريح جداً، وإذا استطعت أن أصير إنساناً فلن أختار إلا أن أكون أستاذاً. ورغم أنه ينام كثيراً، استطاع أن يعمل أستاذاً، وهذا يعني أنّ القطط أيضاً يستطيعون أن يعملوا أساتذة “. ويستطرد القط قائلا:
” ورغم حياة الكسل التي يحياها فإنه يشكو كل مرة لأصدقائه الذين يحضرون إلى المنزل فيقول: ” ليست هناك مهنة أكثر إرهاقاً من مهنة التدريس “.
( مقتطفات من رواية أنا قط.)
اترك تعليقاً