
دخل الحسن اليوسي فاس ودرس بها مرارا، فأقبلت طلبة العلم عليه للأخذ عنه، وتخلف عن مجلسه جماعة من المشاهير، فقال في ذلك بيتين واعتذر عنهما في محاضراته بقوله: ولكن للنفس فرطات، ولا بد لها أحيانا من سقطات. قال: فمن ذلك قولي:
ما أنصفت فاسٌ ولا أعلامها علمي، ولا عرفوا جلالة منصبي
لو أنصفوا لصَبوا إلي كما صبا راعي سنين إلى الغمام الصَّيِّبِ.
فأرسل له بعض أعيان علمائها بطاقة فيها جواباً عن قوله:
بل أنصفت فاس من أنصفها أبدا سقوط المدعي والمعجب
تنفي الدجاجل عاجلا بل آجلا فكأنها هي في الدنيا طريدة يثرب.
ولما قُرِأت عليه كتب له فيها لفظة “سلاما”، فلمّا رد البطاقة لمرسلها ورأى ذلك أعجبهُ واعترف ببراعة الجواب، وبيّن لأصحابه أنه يشير إلى قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً). وقد كان رحمه الله كثيرا ما يتبجح بعلمه، فقد رأيت في حاشيته على مختصر السنوسي في المنطق: ولا تظن أنني كعلماء زمانك، كلا، ولكن كعضد الدين وفخر الدين وسعد الدين وحجة الإسلام، ولا تظن أني أقلدهم فيما أنقله عنهم، بل إن تبينت لي حجته واتضحت عندي محجته قبلته، وإلا نبذته بالعراء وطرحته بالورى، وأنشد على ذلك:
وليس يعيب المرء يمدح نفسه إذا لم يكن في قوله بكذوب.
وكان اليوسي رحمه قوالا للحق، يُخاطب به السلطان ولا يبالي.
المصدر: محمد الكردودي، الدر المنضد الفاخر بما لأبناء مولاي علي الشريف من المفاخر والمآثر، مخطوط بالخزانة الحسنية، لوحة: 69.




اترك تعليقاً