الكاتب: عبد النبي بزاز  (المغرب)

 

ضوابط وآفاق المنحى القصصي في قصص رقصة الغربان”  لنور الدين خروب.

تتضمن قصص رقصة الغربان للقاص المغربي نور الدين خروب موضوعات وعناصر تمنحها ميزة إبداعية في مجال نوع سردي ( قصة قصيرة ) له محددات وآفاق أساسية وفقت الأضمومة في تمثل أغلبها لتأسيس مقومات نمط قصصي تميز بخاصيات على مستوى التيمات والصيغ والأبعاد والدلالات؛ من حيث العناصر كالحوار الذي تنوع بين الدارجة:ـ قرد شوي للأرض، مالك غير كاطير... ” ص: 33، والفصحى:ـ سأعيد لك عزتك، الجحيم الذي أراد أن يوصلك إليه، سيصله.. ” ص: 74، والاسترجاع / التذكر:أتذكرين ذلك اليوم الذي كدت أن أسقط من أعلى الجسر ؟ ص: والشخوص، مثل: أمي العالية، وحنان، والسيد المحجوب،والحاجة مليكة، وعبد العالي، وحميد، وبثينة، وإلهام. والأمكنة، والتي ترتبط بمدينة الخميسات، كحي السلام:يوم التقينا في ذلك المقهى وسط حي السلام... ” ص: 11، وساحة الحسن الأول: ” ونفترق عند الركن الشمالي لساحة الحسن الأول.ص 12، ومنتزه ثالث مارس:أو زارت قريبا بالحي خلف منتزه ثالث مارس... “ص: 40، والضواحي كوادي بهت: ” حيث الطبيعة تهلل بخضرتها على ضفاف وادي بهت... ” ص: 22، لتأثيث معمار القص بعناصر متكاملة، وموضوعات منفتحة على آفاق ذات نزعة وجودية مثل الموت بمختلف أشكاله وتجلياته، وما يصاحبه من طقوس ومراسيم كالجنازة بطبيعتها الدينية، وأخرى اجتماعية بحمولاتها المتعددة كالخيانة، والطلاق، والهجرة، والبطالة، وما يميزها ويطبعها من تعالقات ومفارقات. حيث تتكرر تيمة الموت في العديد من نصوص المجموعة، في مثل نهاية باردة لعشق ملتهب:عاد لأهله باردا جامعا وعوده في تابوت ناصع اللون.ص: 23، في حادث موت ناتج عن غرق داخل البحر خلال رحلة نحو الضفة الأخرى بعد انسداد الأفق داخل وطن لا يوفر شغلا لفئة الشباب بمختلف أنواعه ومستوياته من حاملي شواهد وكفاءات متنوعة. وهو ما تختزله نفس القصة ( نهاية باردة لعشق ملتهب وما آلت إليه نهاية الشاب الذي تخرج من الجامعة، وفي غياب أي فرصة للشغل، امتطى قارب الموت نحو بلاد يمكن أن يعثر فيها على ضالته المجسدة في العمل، وما خلفته وفاته من حزن وكرب لدى عائلته، ورفيقة دربه التي فشلت في ثنيه عن خوض غمار مغا مرة هجرة محفوفة بالمخاطر، ومجهولة العواقب والتبعات، الشيء الذي يعكس مدى تداخل وتعالق موضوع الموت بأزمات اجتماعية كالبطالة، وحلم تجشم أهوال هجرة مجهولة النتائج والمآلات، نفس الموضوع، أي الموت، يطالعنا في قصة حادة “: ” ـ ممما تتت حادة !” ص: 33، وما اقترن به من طقوس دينية:ـ في البيت آيات قرآنية تصور للحاضرين يوم القيامة وعذاب الله الشديد وفي كثير من الصور ترسم لهم جنة النعيم وهي لمن اتقى.ص: 34، وسيل من ذكريات أسست لبداية علاقة زوجها عبد العالي بها عبر نسق تذكر نوستالجي: ” فشرد في تذكر الأيام الأولى التي صنعت لقاءه بحادة.ص: 34، تحول من خلاله الإعجاب إلى زواج مبني على الحب والوفاء، وأثمر مولودين إلى أن آل إلى طلاق ناتج عن تورطها في خيانة نسفت أركان بيت شيد على روح العشق والمودة. كما اخترقت الخيانة كآفة قيمية تيمة الموت، بل التحما في علاقة وجودية وأخلاقية بأبعاد متعددة، وتبعات عويصة ومعقدة. وسارت تيمة الموت في اتجاه منحى رسم معالمه فعل الانتحار في قصة رقصة الغربان “، حيث ورد:تركت صهوة الجواد فسقطت على ركبتيك تجهشين بالبكاء وحميد معلق بمنديلك الرمادي وقد نهشت الغربان عينيه.ص: 64، وفي قصة البطل الذي.. ” يتكرر مشهد الانتحار أيضا:مشى إلى أن بلغ الجسر المعلق، فقفز ليصل إلى الأرض جثة هامدة.ص: 70، وإن اختلفت طرق الانتحار إما عن طريق شنق النفس بمنديل العشيقة في قصة رقصة الغربان “، أو السقوط من أعلى الجسر في البطل الذي.. ” مع اختلاف في نسق القصتين وسياقهما. ولابد من ذكر موضوعات تضمنتها قصص المجموعة كموضوع الطلاق في قصة حادة “: ” بالرغم من موضوع الطلاق لم يغادر طيف حادة البيت... ” ص: 35، وفي القصة ذاتها تبرز الخيانة:تذكر زمن الخيانة... حين تم ضبطها متلبسة في بيت العشيق... ” ص: 35، وما يحظيان به، أي الطلاق والخيانة، من قيمة أخلاقية داخل المجتمع، وما يترتب عنهما من اهتزازات نفسية تخلف ندوبا غائرة، وجروحا لا تندمل على المستوى الحسي والذهني، فضلا عن البطالة والتي تطال شرائح مختلفة من الأفراد والتي تقود الكثير منهم إلى البحث عن مطاردة أمل الحصول على شغل مهما كلف ذلك من مخاطر وتضحيات مما يقودهم إلى مغادرة الوطن عبر هجرة غير مدروسة قد تؤدي إلى نهاية مأساوية كما في قصة نهاية باردة لعشق ملتهب والذي كان فيها مصير الطالب،الذي انقاد للهجرة عبر قارب، الموت والهلاك؛ وما عرفه محتوى القصة وتفاصيلها من تداخل وتعالق بين موضوع البطالة لخريجي الجامعة وموضوع الهجرة. والظاهر أن التيمات الواردة في نصوص المجموعة، رغم تنوعها، عرفت تجاذبا وتفاعلا داخل نسق سيرورة غنية الأبعاد والدلالات، متشعبة المقاصد والمسلكيات يصعب معه سبر أغوارها، وتفكيك الخيوط الناظمة لعلاقاتها المتشابكة. ورغم تمثل قصص الأضمومة لشروط وضوابط القص القصير فإن صياغتها وردت متنوعة من حيث الأساليب والطرائق التي عمد فيها القاص إلى نزعة رومانسية في التعبير من أول قصة حب فوق الجسر “: ” تبدو روعة العالم ساحرة من أعلى هذه الربوة، والزهور بكل ألوانها تحاول رسم ذكرياتي الضائعة بين ضفتي الوادي... ” ص: 5، إلى النصوص الأخيرة رقصة الغربان “: ” ينهض قبل أن تطل الشمس على حقل التوت فينعشه سحر الكون وقد اختلط برائحة الأزهار القريبة من بيته.ص: 63، وهو ما أضفى على القصص طابعا من تنويع أثرى جانبه التعبيري والدلالي والجمالي، كما استعمل أسلوبا مجازيا في قصة نهاية باردة لعشق ملتهب “، حيث يقول:وهو في عالم رتيب لا تزهر أيامه إلا على أكف ذوي الجاه.ص: 21، وفي نفس القصة:لبست من أثواب الصمت هي الأخرى ما قد يليق بها... ” ص: 22، وهو استعمال عمد إلى تكسير رتابة السرد وما يعرفه من تواتر الأحداث،وتسلسل الوقائع، مما يغني اللغة فتصبح أكثر رحابة، بحيث يغدو الزمن ( الأيام ) مزهرا، وهي صفة مرتبطة بالنباتات والمزروعات، ويصير للجاه، في مفهومه القيمي والاجتماعي، أكف في استعمال مجازي استعاري يتدثر فيه الصمت بأثواب ( لبست أثواب الصمت وهي استعمالات تنزاح باللغة عن صيغها التعبيرية المعروفة والشائعة. ولم يفت الكاتب طرح موضوع الكتابة والقصصية منها بالخصوص في نص البطل الذي.. ” بشكل مختلف ومغاير يتم التدخل فيه في شأن الكتابة، وتوجيهها في تجريد للقاص من سلطة رسم معالم القصة،وتحديد مراميها ومقصدياتها:أريد أن يكون كل شيء الذي أريده وأن تصرف الأفعال في الأزمنة التي تفرضها الحكاية.. ما عليك إلا أن تعيش ما أحكي.. لا أريد منك اجتهادا... ” ص:67، وهو تدخل مقصود، إن لم نقل مستفز، في طريقة الحكي، وأساليب صياغته، بل اقتراح أسلوب مغاير يحد، إن لم يقطع، مع أي اجتها د غير مفيد أو مجد، وتجاوز ذلك لتحديد نمط اللغة، وعناصرها التعبيرية:لست أدري كيف تريدني أن أتحرك وكل الكلمات مليئة بحروف العلة كأنك لا تعرف الكتابة إلا بها. جرب يا أخي الكتابة بحروف العطف دون أن تنهي الحكاية.ص: 68، واسترسال في تصحيح مسار الشخوص، وما يرتبط بهم من وقائع وأفعال بأسلوب لا يخلو من توجيه،بل أمر:أريدك أن تجهز عليها في جنح الظلام وليس أن تلقاها في بلكونات المقاهي...” ص: 68، ورسم آفاق غريبة لشخصيات القصة ؛ كأن تغادر أجواء النص، وتجالس الكاتب، وتحاوره:بأن يخرجها ثانية من النص ويجلسها جنبه وقال لها... ” ص: 74، وقد تخرج تلقائيا وإراديا دون أي إذن أو استشارة: ” خرجت من النص لوحدها وأبعدت عشيقها عن القصة والمستشفى... ” ص: 75، كما يمكن أن تعود للولوج في ثنايا النص واختراق عتباته:ادخلي النص ودعيني أنهي ما تورطت فيه.. ” ص: 75، وهو أسلوب ينزاح عن مواضعات وضوابط العلاقة التي تجمع الكاتب بالقارئ بما تفتحه من آفاق تؤسس لعلاقة مختلفة ومغايرة. فضلا عن صيغ أخرى، لايتسع المجال للخوض في تفاصيلها، مثل التضاد بين باردة وملتهب في عنوان قصة نهاية باردة لعشق ملتهب “، والصدفة في حظ بئيس “.

وأخيرا نرجو أن نكون قد أحطنا بأهم جوانب قصص رقصة الغربان “، ولامسنا ما تضمنته من عناصر وموضوعات وأساليب ساهمت في بناء صرحها القصصي، وإرساء دعائمه الجمالية والدلالية.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending