القاصة: هدى الهرمي (تونس)
 
 
 

ببطء وتثاقل شديد وصل الى باحة المقهى. إنّها الملاذ الوحيد لكلّ من يؤمّ سوق السيارات، بعد معاناة الوقوف طيلة ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة والصخب الذي يدقّ رأسه كالناقوس. كانت السوق مزدحمة، لكنه يدرك أن أغلب من يرتاد المكان عادة، يقومون بفحص العربة بدقّة وتمعّن وهم مكوّمين، يحومون حولها لكشف عيوبها، بعدها يتمّ رفع الغطاء والصندوق الخلفيّ. يجرّبون قوّة المُحرّك ومدى صلاحيّة قطع الغيار. ثمّ تقع المفاوضات على الثمن حسب سعر السوق. لكن السماسرة الجدد يضيّقون عليه الأمر كلّ مرّة. كانوا دائمي التهكم والفظاظة.

رجال كثيرون كررّوا الأشياء نفسها طوال النهار. لكنّه تحمّل إحتكاكه بهم لوقت طويل وهو يتمتم كل مرّة:

– تبًا لهؤلاء الحمقى !

لم تكن الأمور تجري كما يريد، وهو يعرف جيّدا انه صار مرهقا جدّا، وانه تحوّل الى عكّاز ناشف لا يصلح لشيء. لا يدري متى ضيّع وقاره، أرضه، منزله، أهله، ولم يعد يهمّه الإحتفاظ بسيارته السوداء “المرسيدس” بعد أن رافقته أكثر من ربع قرن. كانت رمزا للوجاهة حينذاك. لقد انمحّت ٱكذوبة السعادة في إمتلاك كلّ شيء.

وطوال خمس سنوات متتالية، أثقلت الدّيون كاهله بسبب كساد تجارته والإنكماش الاقتصادي الذي عرفته البلاد، فتراجعت نسبة أرباحه، واضطرّ للتفويت في الدكّان وترِكة الأجداد بممرّ جامع الزيتونة العريق، بعد أن اصبحت أسواق المدينة العتيقة شبه خالية من الحرفاء. لقد ورث المحلّ عن أبيه “الحاج صابر” وكان يُعدّ من التجار الأكثر صيتا في بيع الملابس التقليدية. لم يقدر أن يظلّ وفيّا لعُرف العائلات العريقة بالبلد، فلا أحد يبيع عقّاراته وممتلكاته. أمّا الأثاث والأغراض واذا ما تمّ الإستغناء عنها بغرض التجديد ومواكبة العصر، فانها تُوضع في مستودع خاصّ أو تُمنح كهِبة لجمعيّات خيرية.

جلس علي تحت شجرة وارفة الظلال. تردّد في مناداة النادل ليجد له طاولة واطئة ويقدّم له كوب شاي أحمر يعدل مزاجه السيّء. تابع بعينيه حركة روّاد المقهى وهو يحدّق في وجوههم. كان يخفض بصره كلٌما لمح أحدا يشكٌ في معرفته له. خبّأ أوراق السيارة في جيب سترته ونهض وهو يُسرع الخطى إلى مبتغاه. قصد دكّانا قريبا لشراء علبة سجائر. تحسٌس شيئا في الجيب الآخر، لفافة صغيرة من الجلد. أخرجها ثم فتحها وأمعن فيها النظر. إنه سوار مُلّون من الذهب قيراط 21. وتقريبا ظلّ الشيء الوحيد الذي تفادى بيعه. قرّبه الى أنفه بحذر، وتذكّر أول ليلة زواج قضاها مع فرح، بعد وفاة “لِلّا بيّة ” شريكة حياته الأولى. إن رائحتها توشك أن تُحرّك فيه تلك الرغبات السّاخنة مُجدّدا، وفي الحقيقة لم يفهم أبدًا كيف كانت تقيّده عقليّا وعاطفياً رغم فارق السنّ ووقاره المتنامي.

دقّ قلبه بسرعة. هزّ رأسه حائرا. تراجع مرة أخرى وعاد الى السيارة.

ما هذا الذي يجري؟ هل يحقُّ لي أن أذهب إليها وأعانقها بعد هجرانها، وأبكي بحرقة فوق صدرها. مرة أخرى قلّب الأمور في رأسه مُمعنا في الهرب.

لماذا لا يحكي لها خيباته الطويلة التي تزاحمت كالسيول. حتما ستصفح عنه وتُربتّ على كتفه بحنوّ وتداعب ذقنه، وكلّ وجهه، فيُقلع عن التذمّر حين تتلاقى العيون، لتذوب كلّ جروحه كلّما تفرسّ في وجهها الناعم، ثم يصطحبها لتناول العشاء بأحد المطاعم الفاخرة، بعد أن يزيّن جيدها بقطعة حُليّ “شيشخان ” وهي ترتدي القفطان المطرز بالحرير كسلطانة زمانها. عندها يطبع قبلة على جبينها فيغمره شعور بالزهو وبنسيم الغسق العليل.

لقد كانت إحدى زبوناته الدائمات الأكثر جمالا وعفوية في التعامل معه، وعرف أن فكرة الزواج به قد راقت لها، بعد أن أخبرها انه أرمل واعترف لها بتجربته القاسية متعلّلا بالوحدة والحرمان من الاستقرار العائلي.

خشي أن يكون قراره متأخّرًا وهو يطوي الطريق ويزيد من سرعة السيارة. سيزور فرح، رغم الضربة المخزية التي وجهّها لها، وسيُخفي غصّته العريضة في غمرة اللقاء ولن يشرح لها تفاصيل أيّ شيء. وكأنّ قوّة خفيّة تهزّه وتدفعه نحوها. ان كلّ ما تبقّى له من الأكذوبة الكبرى هو صوتها المشحون بالدفء وهي تناديه “سيدي علي” ، وهو الذي يشعر بنصل مرشوق في حلقه منذ أن ضحّى بها في غمرة إفلاسه.

كانت الرّيح ساكنة، بينما تقترب السحب الداكنة وتحجب نور الشمس الساطعة. توقفّ على بُعد أمتار من البيت المهجور الذي حلّق فوقه شبح فرح. نزل من “المرسيدس” وقد استنفد كلّ صبره، ليحاصره الصمت وهو يُخزّن في ذهنه ملامحها الهادئة والمغرية رغم أنه يشعر بألم حقيقيٍّ. كان يرمق النوافذ القاتمة بنظرة أسى. ان كلّ شيء يزول من حوله بسرعة. لكن فرح ظلّت بداخله، رغم الإعصار الذي اقتلع حياته السابقة بكل مُدخّرات العمر. قرع الباب والتصق به عسى أن يسمع وقع خطواتها وهي تركض لإلتقاطه من الهُوّة السحيقة بكلتا ذراعيها.

في تلك اللحظة، اهتزّ بعنف كمن مسّه تيّارٌ صاقع، وكاد يسقط أرضا. لقد اصطدم رأسه بجذع الشجرة وهو يصيح بفزع:

– ما الأمر… أشعر بالدوار لكن عليّ أن أغادر !

مسكه النادل من كتفه بلطف وهو يقول:

– سيدي لقد أردت إيقاظك فحسب، وآسف جدّا بشأن السيارة، لقد حاولنا إخماد الحريق لكن سرعان ما إلتهمتها النيران.

 
 
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending