
حضورُ الإنسانِ الأخلاقي المبادِر بالعطاء المعنوي والمادي قليلٌ في حياتنا. الإنسان كائنٌ من الصعب أن نحبه لو اطلعنا على شيءٍ مما هو غاطسٌ في باطنه. كثيرٌ من الناس قساةٌ قليلٌ من الناس رحماء، كثيرٌ من الناس بخلاء قليلٌ من الناس كرماء، كثيرٌ من الناس جافون قليلٌ من الناس دافئون، الكرماء بكلمات المحبة الصادقة استثناء. الحُبّ مصدر الطاقة الخلاقة للعيش، مَن يعجز عن الحُبّ يعجز عن العيش السعيد، ويعجز عن إنتاج معنى ثمين لحياته. أسعد إنسان هو مَن كانت مهنته صناعة الحُبّ والاستثمار فيه، كما يستثمر رجال الأعمال الناجحون في البورصة. المحبة الصادقة رصيد العلاقات الإنسانية، والسعي المتواصل لاكتشاف المشتركات العاطفية والأخلاقية معه، وغضّ النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والثقافية وأشباهها، وعدم التدخل في الخصوصيات الشخصية، إلا أن يبادر الآخرُ بإخبارك بشيء من حياته الشخصية، ويطلب التدخل والدعم بشأن خاص به أو علاج مشكلاته.
صارت كلماتُ الحُبّ المتداولة أغلبها مبتذلة لكثرة استعمالها مفرغة من معناها، بل تستعمل هذه الكلمة الجميلة ومرادفاتها أحيانًا قناعًا يخفي خلفه معنى مضادًا. أسوأ استعمال لكلمة الحُبّ حينما تستعمل مصائدًا للمغفلات وللمغفلين. الحُبّ الذي يضمّد جراحَ القلوب هو ما يكون نمطَ وجود يعيش فيه الإنسانُ ويتحقّق. يعيد الحُبّ بناءَ الإنسان مثلما يعيد الإنسانُ بناء الحُبّ، فيستثمر الحُبَّ في حياته وحياة غيره. الاستثمارُ في الحُبّ مهارةٌ حاذقة؛ لا تجيدها إلا القلوبُ الحيّة، بالرغم من أنها ضرورةٌ تفرضها حاجةُ الإنسان للعيشِ بأقل ما يستطيع من الآلام في هذا العالم. معرفةُ كيفيةِ استثمار الحُبّ، وطريقةِ إدارته وتوظيفه وتنميته، والاحتفاظِ فيه بوصفه كنزًا، تتطلب مهارةً مضاعفة، وعقلا حكيمًا، ووعيًا واقعيًا بطرائق العيش والحياة الجيدة.
للأسف الحديث عن المحبة شحيح، بل مَن يتحدث عن المحبة يصفه أكثر الناس بأنه غير واقعي، لأن لا محبةَ صافية في الحياة اليوم، وربما يتهمه البعض بتضليل الناس بأوهام. الاستثمارُ في الحُبّ أصعبُ أشكال الاستثمار في مجتمعنا. ما يدعو في حياتنا للعنفِ وكراهيةِ الآخر أكثرُ وأشدّ مما يدعو للمحبة. ذلك ما يفرض علينا تنمية المحبة وتكريسها. صوتُ المحبة الصادقُ في مثل هذا المجتمع نشاز، إنه كمن ينفخ في رماد، الكلامُ والكتابةُ عن الحُب ليست شائعة، وأحيانًا مستهجَنة. قلّما نعثرُ على معلّمين للحُب في مدارسنا وجامعاتنا، الدينية منها والمدنية. لدينا فائضٌ كبيرٌ من معلّمي إنتاجِ الكلام وتكديسِه، واستنزافِ العقل في مغالطات، وتعطيلِ التفكير في جدلٍ عقيم… احتكار الحُبّ كاحتكار الخلاص يوم القيامة لدى الأديان.
عندما تستبدّ المعتقدات المغلقة وتتسلط على ضمير الإنسان تقعده عن الحُبّ بمعناه الإنساني الرحب. العقائد المغلقة والأيديولوجيات اليسارية والقومية والأصولية تحجب عن معتنقيها رؤية الإنسان بوصفه إنسانًا يشترك معهم في إنسانيته، بل يرونه بوصفه مختلفًا، وكلُّ مختلِف في رأيهم غيرُ جدير بالثقة والتكريم والإحسان والمحبّة. الحُبّ حالة وجودية نسبية، إن تحقّق فيها إنسان بمرتبة عاطفية وروحية وأخلاقية عالية يتسامى إلى طور وجودي في سلَّم تكامُله. يصير مثل هذا الإنسان محبًا ومحبوبًا، مأزق هذا الإنسان أن آباءه وأولاده وزوجته وإخوانه كلهم يطالبونه أن يحبهم أكثر من غيرهم، أو يحبهم لا غير، بعضهم يتهمه بالكذب، وآخر يظل يعتب ويلوم، ولسان الجميع: أنت تدعي أنك تحبني فلماذا تحب فلانًا أكثر مني، وكل مرة يأخذ منه العهود والمواثيق أن يحبه أكثر من أي إنسان، بل يتمادى بعضهم فيطلب منه أن يحبه لا سواه. هؤلاء يتجاهلون أن مراتب الحُبّ تختلف شدة وضعفًا وتتنوع كيفياته… المحبة بوح ووضوح وانكشاف، وإظهار المشتركات، الأعمق في تجذير المحبة هو تحويل الاختلافات إلى مزايا، يتكامل فيها ما لدى الحبيبين من نقص، والتعبير بلطف ورقة عن هذه المزايا. تلك منابع أساسية لبناء الثقة وترسيخها، وتبعًا لذلك ترسيخ المحبة وتكريس أركان المودة. انهارت علاقات وثيقة بسبب غموض أحد الشخصين وباطنيته. تشكو بعض الزوجات من غموض مواقف وسلوك وحياة الأزواج. أعرف بعض حالات الطلاق حدثت إثر ذلك.
أخطر أنماط الحُبّ عندما يصير استعبادًا، وأعذب أنماطه عندما يصير محرِّرًا. الحُبّ مرآةُ الذات، كلُّ إنسان يحب على شاكلته، إن كان الحُبّ بمعنى الحرية يكون مُلهِمًا ومحرّرًا، وإن كان الحُبّ بمعنى الامتلاك يكون استعبادًا مميتًا. الحُبّ وإن كان يمحو الصفات المذمومة، أو يخفض فاعليةَ وتأثيرَ بعضها، إلا أنه أحيانًا يمحو الذاتَ تمامًا ويستلبها ويمسخها. إن اشتدّ عشقُ القلب يعطّل العقلَ والإرادة، وحتى الذوق أحيانًا. العقل يمكن أن يتحكم بسلطةِ القلب، إن كان عقلًا نقديًّا، وأسعفته إرادةٌ صلبة شجاعة. العقل شيء، والقلب شيء آخر، والإرادة شيء ثالث. يحدث الصراعُ داخل الإنسان بين ما يعرفه العقل ويرى ضرورة الامتناع عنه، وبين فائض اشتياق قلب يشاكس المعرفة وقرار العقل، وإرادة تخذل العقل. طالما عجز العقلُ عن إكراه القلب، أو قهر الإرادة على الفعل أو الترك، مهما كانت حجج العقل منطقية.




اترك تعليقاً