الكاتبة الروائية الفلسطينية صباح بشير.
 
 
 
على وقع أنشودة الغروب الباريسيّ، لامست أجنحتي أرض مطار “أورلي” حاملة إيّاي إلى حضن ابنتي، التي سبقتني بالوصول إلى باريس من مطار “شارل ديجول”. وهناك، في فندق “بولمان”، انتظرتني بلهفة، بينما كانت نسمات مدينة النّور تداعب وجوهنا، حاملة عبق الحكايات وهمس الاشتياق.
لم تكن هذه زيارتي الأولى لباريس، لكنّها كانت زيارة استثنائيّة، نبتت بذرتها من رحم ظروف خاصّة، فمنحتني فرصة ثانية لاكتشاف سحرها وفهم عبقها العميق.
 
خطواتي على أرضها لم تكن مجرّد عبور، بل كانت حكاية تروى، ورحلة غنيّة بالمعالم الخالدة، لوحة فنيّة رسمتها مشاعري وأحاسيسي. انطلقت رحلتي من متحف “اللّوفر”، ذلك البحر العظيم من الفنون، حيث غرقتُ في سحر “الموناليزا” رمز الجمال الغامض، وتجوّلت بين إبداعات كبار الفنّانين عبر العصور. 
 
 
ثمّ سافرت عبر الزّمن إلى حقبة فنيّة أخرى في متحف “أورساي” حيث تزيّنت الجدران بلوحات الانطباعيّة والرّومانسيّة والواقعيّة والكلاسيكيّة، معبّرة عن مشاعر الفنّانين بألوان نابضة بالحياة. وقصديّ التّالي كان قصر “فرساي”، ذلك الصّرح العظيم، حكاية ملوك وأمراء، وقصص حبّ وخيانة وساحة معارك وصراعات، ورمز للقوّة والفخامة. تجوّلت في أروقته الفخمة أسمع أصوات الموسيقى وأتخيّل رقصات البلاط، تاركة خيالي ينسج حكايات الماضي العريق.
 
أمّا قصر الأوبيرا، مسرح الأحلام والألحان، فقد كان بمثابة رحلة ساحرة حلّقت بي في سماء الخيال. واصلت رحلتي على طول شارع “الشانزليزيه”، ذلك الشّارع العريق، رمز للأناقة والرّفاهية، حيث تلامس أناقة المتاجر الفاخرة سحر المطاعم الرّاقية. وقفت أمام قوس النّصر، رمز القوّة لجنود دافعوا عن بلادهم، وصرح يخلد ذكراهم. وعلى مشارف نهاية الشّارع، تتربّع المسلّة الفرعونيّة شامخة، شاهدة على عظمة الحضارة المصريّة القديمة وعراقتها.
 
تطلّ المسلة، كجوهرة مصريّة تتلألأ وسط مدينة الجمال، حاملة معها عبق التاريخ والحكايات، تتحدّى الزّمن وتقاوم عوامل التعريّة، كأنّها ترسل رسالة من حضارة عريقة إلى حضارة حديثة نابضة بالحياة. ينبهر النّاظرون بجمالها وعظمتها، ويتساءلون عن سرّ رحلتها من ضفاف نهر النّيل إلى قلب باريس. وبينما تتراقص نافورات المياه على أنغام أصوات المارّة، يلتقط السيّاح الصّور التذكاريّة، راغبين في تخليد هذا اللقّاء الفريد مع المدينة الأنيقة.
 
إلى جانب المعالم الشّهيرة، زرت أيضا كنيسة “النورتمادام” وكنيسة “القلب المقدّس”، حيث شاهدت أقفال الحبّ على الجدران، رمزا لخلود المشاعر، وارتفعت روحي مع سحر العمارة البيضاء، شعور بالسّكينة والسّلام غمر قلبي مع أصوات الصّلوات التي علت مع أصوات الأجراس. وخلال الرّحلة، تناولنا الغداء في مطعم “باريس باغي دي غيكس” ومطعم “لوترين بلو”، حيث تذوّقنا أشهى الأطباق الفرنسيّة.
 
تمشّيت على جسر “اليكساندر الثّالث”، مستمتعة بمنظر نهر السّين الخلّاب، وتناولنا عشاء فاخرا على متن كروز نهر السّين، واستمتعنا بعرض غنائيّ ساحر في أجواء رومانسيّة.
 
 
وختاما، تسوّقت في “غالاري لافييت”، أحد أشهر المجمّعات التجاريّة الباريسيّة الفخمة. وما زالت هناك معالم أخرى تنتظر اكتشافها، وقصص لم أسمعها، وصور أخرى تنتظر أن تُلتقط، فهذه الرحلة ستبقى محفورة في صفحات ذاكرتي، رسَمَتها خطواتي على أرض المدينة السّاحرة، تلك الّتي لا تنضب من أسرارها، فتغريك بجمالها وتجذبك بسحرها؛ لتبقى في قلبك إلى الأبد.
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending