خالد منتصر

 

معركة التنوير مثلما تحتاج إلى المثقف الجرىء صاحب الفكر النقدى الذى يمتلك فضيلة السؤال وفضول البحث، ودهشة الطفل، وغالباً ما يكون هذا المثقف على يسار الأنظمة، فهى تحتاج أيضاً إلى حليف من داخل النظام، وحارس يقظ من ضمن أصحاب القرار فى الدولة، وأستطيع أن أقول إن د.ثروت عكاشة كان بمثابة هذا الحليف وذلك الحارس، فهو فضلاً عن أنه من الضباط الأحرار، وكان صديقاً شخصياً لعبدالناصر، إلا أنه كان مثقفاً كبيراً، ومتذوقاً محترفاً للفن بجميع أنواعه، سواء كان فنا تشكيليا أو موسيقى كلاسيك أو شعرا، مثلما كان بارعاً فى ترجمة جبران.

 

كان رائعاً فى تأريخه للفن وتحليله للسيمفونيات والأوبرات، لم يقفز على الثقافة بالبراشوت، ولم يتطفل على كرسى وزارتها، بل كان أكثر من يستحق هذا المنصب فى كل هيئة الضباط الأحرار، كلنا يعرف أياديه البيضاء على الثقافة المصرية، من إنشائه أكاديمية الفنون التى صارت نموذجاً تحتذى به كل الدول العربية التى تريد نهضة فنية، إنقاذه آثار أبو سمبل بالتعاون مع اليونسكو، استضافة عروض الأوبرا والباليه وفرق الأوركسترا الموسيقية العالمية، احتضانه المخرج العالمى شادى عبدالسلام ودعمه فيلم المومياء رغم غرابة التجربة فى ذلك الوقت، كتيبة قصور الثقافة التى جعلت الثقافة رغيف خبز فى أعماق الريف المصرى، وإنجازات تلو إنجازات، مما جعل المثقفين المصريين يعتبرونه الأب الروحى للثقافة المصرية الحديثة.

 

كتب عنه المخرج الراحل محمد كامل القليوبي: من عاش قاهرة الستينيات يدرك جيداً أن ثروت عكاشة قد جعل من القاهرة إحدى العواصم الثقافية الكبرى فى العالم، كان بإمكاننا وقتها أن نحضر حفلتين أسبوعياً لأوركسترا القاهرة السيمفونى تخصص الحفلة الصباحية منهما للطلبة بسعر موحد خمسة قروش للتذكرة، ونحضر موسم الأوبرا الإيطالى ونشاهد عروض البولشوى وباليه لينينجراد وفرقة موسييف الذائعة الصيت للفن الشعبى على مسرح دار الأوبرا، وفرقة «الأولدفيك» البريطانية العريقة على مسرح الصوت والضوء بالهرم، وفرقة تساندريكا الرومانية للعرائس التى كانت الفرقة الأولى للعرائس فى العالم وقتها، وكذلك مسرح موسكو للعرائس «مسرح أبراشوف» الذى يُعد من أهم مسارح العرائس فى العالم على خشبة مسرح القاهرة للعرائس الذى تم إنشاؤه أيضاً فى تلك الفترة وقدم عروضاً مرموقة ما زلنا نشاهدها حتى الآن، ولعل «الليلة الكبيرة» خير شاهد على ذلك.. لم يقتصر الأمر على المصريين فقط ، فقد كان كل المثقفين العرب يدينون له بجزء كبير من وعيهم الثقافى، على سبيل المثال كتب رفيق الصبان: كنت أعرفه قبل أن أراه، أعرفه من خلال ما كان يقوم به كوزير للثقافة وما يقدمه لنا كباحث وعالم ومؤرخ وفنان..

 

وأخيراً تسللت من بين سطور مذكراته لأستشف من خلالها الإنسان الكبير والروح الهفهافة الباحثة عن الجمال والهارمونى فى كل ما تراه وتلمسه وتبحث عنه. كنت أتابع بذهول ما فعله لمصر وللثقافة العربية وكيف بنى جسوراً من ذهب وياقوت تربط بين حضارة عربية إسلامية عريقة وبين معالم حضارة أوروبية ما زالت مشاعلها تضىء أرجاء الدنيا.. إنه واحد من هؤلاء الفرسان الكبار بدءاً من رفاعة الطهطاوى وصولاً إلى طه حسين وتوفيق الحكيم، عرف كيف يمسك بالخيوط السحرية التى تجمع بين دفقات عمر الخيام الفارسية وبين أصداء «ليليات» شوبان المليئة بالشجن.. وبين الرسومات الإسلامية المغرقة فى تجريبيتها المبكرة وبين أعمال شاجال ودوفى المنمنمة وألعابه بالسحر الأسطورى»، اكتشفت دوراً مسكوتاً عنه لثروت عكاشه.

 

وأنا أقرأ كتاب يؤرخ لفن ما بعد ١٩٦٧ وهو كتاب «شىء من الحرب»، وهو دور الحليف والداعم والمناصر للفن أمام جحافل المنع والمصادرة وسماسرة الورع المزيف من المنافقين، فقد كان هو صاحب فكرة أن نحارب بالفن لنهزم الهزيمة، وقال لعبدالناصر أن الحلفاء حاربوا بسيمفونية بيتهوفن إلى جانب السلاح، عندما كتبت الرقابة تقريرها اعتراضاً على فيلم قصر الشوق واتهمته بالفسق والفجور، تدخل ثروت عكاشة، صرح بالفيلم، رغم أن مجلس الأمة استجوبه فى مجلس الأمة وهاجمه هجوماً شديداً، وعندما رفضوا تصديره للخارج، تدخل عكاشة وانتصر للفيلم، والجميل فى هذا الرجل أن الفن كان بداخله ينتصر على الوزير، فإذا لم يعجبه عمل فنى لا يصادره حتى ولو ارتفعت لأصوات فى السلطة تطلب مصادرته.

 

فقد انتصر مثلاً لمسرحية البغل فى الإبريق التى قدمتها فرقة تحية كاريوكا رغم حدة الهجوم على الاتحاد الاشتراكى، ووقف ضد مجلس الوزراء كله انتصاراً للعمل الفنى!، وعندما منعت مسرحية المسامير لسعد وهبة وقف داعماً وصرح بها على مسئوليته، وانتصر لفيلم القضية لأبو سيف ولفيلم المتمردون لتوفيق صالح، وميرامار لكمال الشيخ، حتى الأفلام الأجنبية التى هاجمها المتزمتون، سمح بها ثروت عكاشة، ودخل الكثير من المعارك بسببها، أشهر تلك المعارك، معركة فيلم القلب المرح لبريجيت باردو الذى اتهمه وزير التعليم حلمى مراد بأنه فيلم إباحى!.

 

هكذا تزدهر الثقافة بالمثقف المسئول وبالمسئول المثقف ، وينتشر النور والتنوير بالمفكر البعيد عن السلطة، وبرجل السلطة الراعى للثقافة، كان هذا الرجل هو ثروت عكاشة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending