التداعي ـ كما أفهمه أنا على الأقل ـ تقنية من تقنيات السرد، وتعني التدفق السردي الذهني الذي يجول في نفوس الشخصيات حول أمر أو حدث ما، وهي الهواجس والشكوك والتساؤلات التي تخالجنا جميعا في الوقت الراهن أو حتى حول أمور دارت في الماضي القريب أو البعيد، نحن نحدث أنفسنا بأمور فظيعة لا نجرؤ عن البوح بها علنا، ولعل ما نفصح عنه جهرا هو جزء يسير ولا يساوي شيئا مقابل ما نخفيه أو نكلم أنفسنا به، وبوسعي القول إن أول صديق للإنسان هو ذاته الداخلية، وأن عقلك الباطن هو مصنع خيالك الأول في الكتابة أو غيرها أو حتى في الأفكار الشريرة أو المجنونة، هذه أمور يمكن أن نجدها في علم النفس.
أما الشخصية القصصية الافتراضية فإنها تميل إلى التداعي بشكل عاطفي شارحة حيرتها ورؤيتها حول هذا الأمر أو ذاك، خالقة تدفقا سرديا يعبر عن مكنونات خفية وغالبا عاطفية تدور في أعماق الذات القصصية، وهي أمور قد نخفيها جميعا في الواقع بدافع اللياقة، مثلا، أحد شخوص روايتك صادف جفوة مفاجئة من حبيبته أو صديقته التي يحترمها وتحترمه في العمل، فيفكر في سره أنها تخفي شيئا سيئا، وقد يسأل نفسه، هل اقترف شيئا خاطئا أو أسأت إليها دون أن أشعر؟ وفي هذا الحال، وقبل أن يدور حديث بينك وبين هذا الشخص لتستكشف سبب جفائه، يدور في نفسك بعض التداعي الذي تبحث فيه عن أسباب هذا الجفاء، وهذا التداعي الملتبس لا تتضح نتائجه سريعا.
كما يحدث التداعي في الأحداث غير الملتبسة، مثلا يقوم صديقك بالتخلي عنك لمجرد أنك نسيت حضور عيد ميلاده، أو أن يوجه لك مديرك في العمل إنذارا بالفصل أو يوقع عليك عقابا إداريا لمجرد غلطة مطبعية أو هفوة صغيرة تظن أنها لا تستحق العقاب، وفي هذه الحال، يكون التداعي مجرد خواطر وظنون تدور في ذهنك، وقد تعيدك إلى الماضي، فقد يجول في ذهنك ـ في حال جفاء حبيبتك ـ أنها عثرت على حبيب آخر، أما في حال توقيع عقوبة إدارية عليك، فإنك تستدعي ما قمت به من انجازات جيدة أثناء العمل، ورغم ذلك لم توجه لك كلمة شكر واحدة، وقد يساورك الشك أن هذه الغلطة المطبعية ليست السبب الرئيس لهذا الإنذار أو العقاب، وقد تظن أن ذلك مجرد ذريعة وحسب.
ولعل السبب يكمن في أنك منعت تمرير بعض الأمور المخالفة لقانون العمل، أو أنك تدخلت في أمور لا تخصك أو كشفت عن تورط الإدارة المالية بسجلات وهمية ومصروفات غامضة تذهب إلى جيوب بعض الفاسدين بما فيهم مديرك المباشر، وهكذا يدور التداعي السردي كاشفا عن حالة حنق عاطفية، ومن ثم تستدعي الشخصية وجهة نظرها حول هذا الشأن، ويعتمد تصرفها وسلوكها على ثقافتها وذكائها، ويحدد هذا التصرف مسار السرد، هناك أيضا الاسترجاع، وهو العودة إلى الماضي، بما يتعلق بحدث قديم يؤثر على السارد بضمير المتكلم أو على إحدى الشخصيات، مثلا، شاب مثابر يكتشف ذات يوم أن عائلته تبنته من دار الأيتام، وأن والديه الحقيقيين مجهولان، يعرف ذلك عن طريق وثيقة سرية يعثر عليها بالمصادفة، أو يسمع حديثا خفيا يدور بين والديه بالتبني، ومن ثم يسترجع ذكريات قديمة عرفها هو عن نفسه (وهذا المفضل في حالة الاسترجاع)، أو يقصها الراوي العليم بحذر على لسانه، أو بواسطة شخص كان قريبا من ماضيه.
ولكن صعوبة الاسترجاع بواسطة الراوي العليم تكمن في أن هذا الراوي يتكهن ما دار في ذهن الشخصيات، وهذا أمر يصعب الاقتناع بصحته، وبطبيعة الحال، تكون الروايات البوليسية هي أكثر حظا في حالة الاسترجاع بواسطة الراوي العليم، وذلك لأن طبيعة هذه الروايات تقوم على الاسترجاع والعودة إلى الماضي، كما أن حضور الشرطة والتحقيق والجريمة يحيلنا إلى التكهن أو التخمين، وهذا يتلاءم مع تقنية الاسترجاع بواسطة الراوي العليم، فهذا الراوي بوسعه أن يجعل لشخص المحقق أو الشرطي فسحة للتخيل والبحث عن الدوافع للوصول إلى اكتشاف أسرار الجناية أو الجريمة، لذا يستطيع أن يروي نيابة عن الشخصيات بما يعتقد أنه صحيح.
وأظن أن كل الروايات تكون صالحة للتداعي والاسترجاع، ولكن هناك روايات أكثر خصوبة للتداعي أو الاسترجاع، فالروايات البوليسية والرومانسية يسهل بواسطتها استخدام هاتين التقنيتين، في حين يصعب استخدامهما في الروايات التاريخية ويوميات الحروب وغيرها من الروايات التي تتكئ على الماضي، ذلك أن التداعي أو الاسترجاع في الغالب لا يقوم به الراوي ـ إلا إذا كان هذا الراوي مشاركا في الأحداث ويروي بضمير المتكلم “الأنا”ـ وإنما تستخدمه شخصيات القصة ولاسيما الرئيسة منها، وأظن أن التداعي يفرق عن الاسترجاع بأن القص فيه يكون شاملا للأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل، على خلاف الاسترجاع الذي لا يقص إلا في الزمن الماضي، وهناك فارق جوهري بينهما وهو أن التداعي يكون في الغالب خواطر وهواجس داخلية تدور في عمق وذهن شخصية القصة، في حين يكون الاسترجاع عبارة عن أحداث خارجية تدور في الماضي أو حتى استرجاع لخواطر وهواجس ماضية دارت في أذهان شخصيات ذلك الزمن. ثلاثية عصفور الحقل نموذج للتداعي والاسترجاع في بعض فصولها.
بقلم: بسام شمس الدين (اليمن)
اترك تعليقاً