الكاتب: سعيد أولاد الصغير (المغرب)
 
 

 

كان مُستغـرَباُ أن يَطلب منّا المعلّم كتابة شيء ما عن ” الحظ السّيئ “. ليـلاً، وقبل أن أغرق في نوم عميـق، تذكّرت الموضوع قفزت من فراشي كالملسوع.
حملت كرّاستي وقلمي وقصدت غرفة أمّي. كانت تجلس على حافّة السّرير والنعاس يثقل رموشها.
جلستُ بجوارها وطلبتُ مساعدتها. تثاءبتْ وابتسمتْ وبدأتْ تلملم أفكارها…

كنتُ أعرف، أنّ ابتسامتها تلك ستجرّ سَيْلاً جارفاً من العاطفة… فأمّي لم تكن متعلّمة؛ لكنّها فطِنة ولها فِطرة تألَفُ المعرفة… مسحتْ على رأسي برفـق ثمّ حكتْ وقالتْ:

– « حين فاضت الرّوح يا بنيّ… دعا له الطّبيب بالرّحمة وانصرف. أنا لم أكن أعرف شيئاً عن علم التّشريح. بل، لم أكن أرغب أصلاً في المزيد من التوضيح… بصمتُ على ورقة بأصابعي المرتجفة. واستلمت جثة أبيك مع كلّ الأسباب السّخيفة…

ثمّ شغلتُ مقعدي بجانبه في رحلة العودة نحو البلدة. قفز السّائق خلف المقود وانطلق بنا وسط صفير يقبضُ القلب. كان رجلاً فظاً، مزاجه يُرهق الأعصاب، وحديثه يُخالف بعضه بعضاً…

في منتصف الطريق، توقّف بمكان قرب مطعم… رَمَقَني بنظرة خالية من الشّفقة وسألني إنْ كنتُ أُريد شيئاً… لم أُجبه… خرج متمْتماً وأقفل الباب بعنف وبقيتُ وحيدة مقهـورة… أنتحب مع الرّيح وأتقبّل العـزاء من أوراق الخريف المتساقطة…

شعرتُ بغصّة في حلقي وكأن حيّة تلتفُّ حول عنقي. أنا لست قويّـة يا بنيّ كما تعتقد… لقد بكيتُ بشهيـق ضاقت به أحشائي حتى كِدتُ أُجَنّ… كنتُ سيّئة الحظ يا بُنيّ؛ حين جمعني القدر برجلين… واحد ميّت ينتظر الوداع… وآخر مَقيت جائع يقتات كما تقتات الضّباع…

لمّا عاد السّائق، بدأ يروح ويغدو بمشية هادئة أمام السيّارة منشرح النّفس، يتجشّأ ويقذف بأنفـاس معبّأة برائحة التّبـغ… ». 
ثمّ سكتت لثوان قليلة خِلتها دهراً… حدّقتْ في عيْنَيّ بثبات وقالت:

– « للحظ يا ولدي وجوه وكلام بلا صوت، ليس أقلّ وجعاً من الموت…! ».

عدتُ إلى فراشي بخطوات بطيئة، بعد أن حفر حديث أمّي في نفسي وِدْياناً عميقة… مزّقني الغيـظ والغـضـب فلمْ يَغمَـضْ لي جفن ليلتها…
في الفصل، صُعقتُ بالكرّاسة تلطم وجهي على حين غرّة… لأنّي لمْ أجدْ ما أكتبه سوى عبارة صغيرة: ” أمّي لم تُسئ لأحد ولـو مرّة… لكنّ الحظ خانها ألـف مـرّة…! “.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending