
د. عاطف الدرابسة (الأردن)
قلتُ لها:
ها أنا أعودُ، لأنتشلَ الكلماتِ من رحمِ الحريقِ، ثمَّ أنفخُ فيها لتكونَ قادرةً على العتابِ، وعلى الغزلِ.
ها أنا أعودُ، لأدخلَ إلى شرايينِ الحروفِ مثلَ جرَّاحِ القلبِ، لعلَّي أُزيلُ ما تراكمَ فيها من غبارٍ الدَّهرِ، ومن وجعِ الخياناتِ.
ها أنا أعودُ، أُجدِّدُ نفسي لأبُثَّ في خلايا لغتي طاقةً من ضوءِ عينيها، لعلَّكم تقرؤُون ما احتحبَ منها، وما طمستْه وحولُ السُّلطة، وما نهشتْهُ كلابُها.
ها أنا أعودُ كي أنحازَ لها، ثمَّ أُطلقَ خيالي المسجونَ ليعيدَ إلى العمرِ ما سُرِقَ من سنين.
يا حبيبةُ:
ها أنا أعودُ، أتناسخُ في كلماتي كأنَّها أنتِ، افتحي ليَ أبوابَ دمِكِ، افتحي ليَ نوافذَ روحِكِ، واتركيني أمارسُ طقوسَ الحلولِ.
يا حبيبةُ:
ها أنا أعودُ، لأُشعلَ الشَّمعَ الذي انطفأَ في جوفِ كلماتي، هاتي عينيكِ فقد سرقوا منِّي الوحيَ، وسرقوا منِّي الإلهام.
يا حبيبةُ:
هاتي عينيكِ فلولاهما ما نسجتْ دودةُ لغتي حريرَ المعاني، وألحفةَ البردِ والرَّصيفِ.
يا حبيبةُ:
قبل أن أقيمَ في عينيكِ كانت كلُّ صوري، وكلُّ استعاراتي، وكلُّ أفكاري عذراء، عيناكِ مرايا الذَّاتِ، ما انفكَّتْ تستفزُّ ذاكرتي، وتُعيدني إلى طفولتي التي ما كانت يوماً بريئةً، فأنا منذُ أن تحرَّكَ الموجُ بين شفتيَّ، وتكحَّلتْ عيناي بأسرابِ النَّساءِ، وأنا أسترِقُ النَّظرَ إليهنَّ في مواسمِ الحصادِ، وفي ليالي تموز. تلك اللَّيالي علَّمتني أن أشربَ القهوةَ في مساءٍ تتراقصُ فيه النُّجومُ، كأنَّها أزهارٌ بريَّةٌ تُقيمُ في السَّماء.
ها أنا أعودُ، لأقولَ لكم: إنَّ لغتي لا تخفقُ إلَّا بقلبِها، ففي كلِّ خفقةٍ فكرةٌ، وفي كلِّ رعشةِ قلبٍ شوقٌ وحنينٌ وأملٌ، وفي كلِّ ارتجافةٍ وجهةُ نظرٍ، ورؤيا، واستشراقٌ لكي لا يفجؤُني الموتُ، وأنا في ذروةِ العشقِ والحياةِ.
ها أنا أعودُ، لأخبرَكم أنَّ لغتي تحرَّرتْ من ضبابِ الرُّؤى، وعواصفِ الذُّلِ، واختارتْ روحَها لتُضيءَ كالقناديلِ طريقَ الحريَّةِ والخلاصِ.
ها أنا أعودُ، لأعترفَ لكم بأنَّ الشِّعرَ امرأةٌ، وأنَّ الحريَّةَ امرأةٌ، وأنَّ الكتابةَ امرأةٌ، وأنَّ الخلاصَ يبدأُ بامرأةٍ، وينتهي بامرأةٍ.
هامش: الشِّعرُ وحدَه مملكةُ التَّأويلِ، لأنَّ التَّأويلَ امرأةٌ.




اترك تعليقاً