الكاتب: شربل داغر (لبنان)
 
 
 
هل اللغة تَرى..؟ هل الفن يقرأ..؟
هل نرى عندما نُبصر ؟
بأي عين نرى ؟
هل نعتقد بأن ما نراه بالعينين جديدٌ، مفاجئ، حادث بمعنى طارئ ؟
هل اللوحة، عندما تكون قماشة وحسب، ومن دون شكلٍ أو لونٍ، خالية فعلا ؟
هل تمتلك الورقة، قبل الرسم، قبل أي كتابة، سطورا خافية ؟
أهي سطور أم تعرجات ؟
أهي تمتماتُ عينٍ أم غمزاتُ يد ؟
هناك سابقٌ، حتى لو أننا لم نره.
هناك سابق، حتى لو محونا.
هناك ما هو شبيهٌ بما تقوله الكتابة الهيروغليفية، أي التطريسات.
هناك، إذ تمحو، ما يَظهر من خلاء العتمة : يظهر تلقائيا، مثل إرث يعتذر إذ يغيب، أو لا يَمثل.
أحب الماثلَ، إذ هو الوجود المبرَم، الوجود الذي لا يُرد.
وجودُ ما يَظهر على أنه مكعب، وليس مربعا؛ وهو قد يكون مربعا لكنه مربع كاشفٌ ومضيء وسريّ.
لذلك هناك جَرَيان من دون أصل. ماثلٌ من دون أب أو جد.
لهذا ليس للفن سفرُ تكوين، له تاريخ.
ليس له بداية، له دَوَران.
لهذا، اللوحةُ (أو غيرها) مسبوقة، و هي مسبوقة، لأنها متبوعة.
كثيرون ذهبوا إلى أن الصورة حافظة قبل أي شيء آخر. الفن ليس حافظا لأنه متحول، بينما اللغة متحولة وقديمة في الوقت عينه.
اللغة سحيقة، وإن نستعيدها.
الفن سحيق بدوره، لكننا نحوله بسرعة أكبر من اللغة.
ذلك أن اللغة تُفيد، تجعلنا نتواصل. أما الفن فلغتُه أخرى، ويَقطع التواصل أحيانا.
لم تصل اللغة (وإنتاجاتها المختلغة) إلى ما وصلَ إليه الفن من تعطيلٍ وخرقٍ لما هو عليه النظر، في بسيطه ومركبه.
العين تَجمع، تُجْمِل ما لا تستطيعه، إذ تحتاج إلى أصوات، متتابعة ومتباينة، وما يتعدى الكلمات أحيانا ليبلغ النص، وأبعد من النص.
اللغة أكثر بقاء، كما لو أننا نشتغل أمام نَوْل.
اللغة تموت (عندما يتحدثون عن لغات “ميتة”)، لكنها لا تموت : باقية في أثر، ولو أن أحدا لا يُحسن قراءته أو كتابته.
ليس جديدا القول إن الصورة تفوقت على الكلمة.
هذا لا يحتاج الى إحصائيات. مقارنة بسيطة : سعرُ لوحةٍ واحدة يَبلغ أكثر من مردودِ مبيعاتِ أهم كتاب في تاريخ البشرية.
ليس للفن ذاكرة، له تاريخ – ما أمكن.
له سيرة ومتحف.
فيما اللغة – تلك الحروف، الأصوات، المعدودة – تسري في الهواء، عبر الأثير، ولا ينقضي دَوَرانُها.
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending