الكاتب: صلاح بوسريف (المغرب)
معرضُ الكتاب ليس واجِهَةً، ولا هُوَ فضاء مُضارباتٍ بالأرقام، وبعدد المُشاركين، وما يُصْرَفُ من أموال على ما نعرفه، وما لا نعرفه من هذه الأموال والمصاريف. فكرةُ معارض الكُتُب، في العالم قاطِبَةً، هي الاحتفاء بالكُتُب، والمنشورات، وبالنَّاشرين والكُتَّاب، وبالعقل والفِكْر والخيال، وما تكون عليه البلاد، أو الأمة من نمو وتطوُّر وازدهارٍ، وما عندها من مبدعين، ومفكرين، وشُعراء، وروائيين، وفنانين، ومُنْتِجِين للأفكار والرُّمُوز، والدَّلالات، لا بالكَم الذي لا يُمَثِّل هذا المعنى، ممن نُقْحِمُهُم، عُنْوَةً، في هذا الاحتفال، بل بالقيمة، وبالحضور، وبالاستمرارية، وطرح الأفكار، والأسئلة، وخلق المجازات، وابتكار المعاني، وما يكون من خيالات، هي ما يدُلُّ على الخلق والإبداع، وعلى وُجود عقل يحيا بخياله، ويفتح آفاق جديدةً في الرأي، وفي الفكر، وفي الوجدان العامّ للإنسان.
ومعرض الكِتاب، هو القارئُ، مَنْ نَسْتَقْطِبُه، ليس في معرض الكتاب، بل من خلال برامج سنويَّة للقراءة، في المدارس والجامعات، وفي المُؤسَّسات والجمعيات، بدعم هذه المدارس والجامعات، وبدعم هذه المُؤسسات والجمعيات، وبخلق فضاءات عامَّة للقراءة في الأحياء، وفي القُرَى النائيَّة، وفي الحدائق العامَّة، وفي الفضاءات السِّياحية، وتقديم الكُتُب، والتعريف بها في البرامج الإعلامية، في الراديو والتلفزيون، وفي الجرائد، والمواقع الإلكترونية، ودور وزارة الثقافة، ومعها وزارة التعليم، هو دَعْم هذه المَشَاتِل، أو الأوراش، وإشراك النَّاشرين والكُتَّاب فيها، وخلق فضاءات للقراءة في المدارس، لا تَغْلُبُ فيها المُقرَّرات التَّعليميَّة، والكُتُب الموازية للمُقرَّرات، بل الكتب التي تكون من مصادر معرفة وثقافة التلاميذ في التعليم العامّ، ومعرفة وثقافة الطُّلاب في الجامعات.
وإذا الْتَفَتْنا إلى جائزة الكِتاب، التي هي خلل من أوَّلِها إلى آخرها، ما القيمة التي تُمَثِّلُها، باستثناء المال، في التعريف بالكُتُب الفائزة بالجائزة، في تقديمها ومُناقشتها في الإعلام، وفي عقد ندوة صحافيَّة للتعريف بمبررات انتصار هذا الكتاب على غيره، بِما يُقّنِع الرأي العام الثقافيّ وغير الثَّقافِيّ، وبترجمة هذه الكُتُب، أو الكتاب الإبداعي منها إلى اللغات الفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية، بالاتِّفاق مع دور نشر معروفة، في إطار شراكة ودَعْم مُتبادلين، والدِّعاية لهذه الكُتُب، واللِّقاء بالكُتَّاب الفائزين، وتوفير هذه الكُتُب في المكتبات والأكشاك، فأغلبها لا نراه، وغير مُتاح، ولا يعرف القارئ عنه أي شيء، غير النُّسَخ التي تتسلَّمُها الوزارة، وبإعادة طبع ونشر هذه الكُتُب، في طبعات بأثمان مدعومة، تكون في مُتناول القُرَّاء.
لا شيء من هذا حدث، ولا شيء منه سيحدث، فالجائزة، هي، أيضاً، احتفال، وتنتهي بانتهاء الاحتفال، ويبقى الكتاب مركوناً في زوايا مُعْتِمَة، لا أحد يعرف عنه شيئاً، أو يراه مطرُوحاً أمامه في الطريق.
وإذن، فما الجدوى من معرضٍ، هو طَقْسٌ سنويّ، لا يترك وراءه أيّ صدًى، على مستوى قاعدة القُرَّاء، لا الزُّوار، كما تحسبهم مديرية الكتاب كُلّ سنة، دون أن تنعكس هذه الأرقام على مبيعات الكُتُب، والإقبال على المكتبات، بما في ذلك زيارات التلاميذ بأعداد كبيرة، دون أن يَقْتَنُوا كتاباً، ودون أن تكون هناك توعية من قِبَل المُرافقين لهم، ولا من قِبَل مُرْشِدِين من مديرية الكِتاب لَهُم، لتكون زيارتهم مفيدة، وذات مغزى، لا لحسابهم ضمن الزوار، فقط، وهُم، في غالبيتهم، بمن فيهم مُرافِقِيهم، يُغادِرون المعرض، دون اقتناء كتاب واحِدٍ.
ولعلَّ أكبر مُعْضِلَة، يُعانيها سوق الكتاب، بالإضافة إلى ضُمُور القُرَّاء، للأسباب السالفة الذِّكْر، هي مشكلة التوزيع، ودعم الوزارة للموزِّعين، وللمكتبات التي تُتِيح هذه الكُتُب في المُدُن والجهات، وما يمكن أن تقتنيه وزارة التعليم لتجديد كُتُب ومراجع مكتباتها المُهْتَرِئَة التي أغلبها مُغْلَقَة، ولا يوجد مسؤول واحد عنها، وكذلك مكتبات الجامعات. كُل هذا لا يحدث، وينتهي المعرض بصرف ميزانية كبيرة، جُلُّها خارج سُوق الكتاب، وبيع الكتاب، واقتنائه، ودَعْمِه، بما في ذلك ما تعتبره الوزارة برنامجاً ثقافيّاً، لا يكون مُفِيداً في أغلبه، وبدون فكرة واضحة، وهو برنامج أفراد داخل اللجنة العلمية، لا برنامج لجنة لها فِكْرة وتصوُّر، ورؤية واضحة لما تُريده من برنامج المعرض، الذي يبدو أنَّ برامجه تتكرَّر، مثل الحاضرين فيه، ومثل أعضاء اللجنة العلمية، ما يعني أنَّ المعرض، يظهر ويختفي، مثل ثعلب محمد زفزاف، دون أن يكون له أثر، ولا يُفِيدُ في خلق مجتمع قارئ، وفي دعم النَّشْر والكتاب، لا بالنَّزْر الهزيل من المال، الذي لا يبلغ حتَّى تعويض راقصة في حفل صيفي، من حفلات السيد وزير الثقافة، الذي هو بعيد بُعْد السماء عن الأرض، عن الثقافة والمثقفين، وعن الكتاب والقراءة، والقرائن، كلُّها، تشير إلى هذه الحقيقة المُزْرِيَّة التي يمكن تعميها على جُلّ وزراء الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending