عبد الكريم حمزة عباس

باحث وناقد (العراق)

أجمع الكثير من الفلاسفة والمفكرين على أنّ العقل هو مصدر المعرفة وبه يستطيع الإنسان أن يرى الحقيقة الساطعة بكل وضوح، لكنّ السؤال المطروح دائما هل يستطيع أيّ فرد أن يستخدم ذلك العقل بكل حرية للكشف عن الحقيقة حتى وإن كانت نسبية..؟

الجواب حتماً لا، فهناك موانع وحجب وعقبات كثيرة جدا متمثلة في كل تلك الموروثات التي لدى الإنسان من أفكار و يقينيات ومسبقات تؤثر على هذا العقل من كل ناحية و تحبسه و تحاصره، وبذلك تمنع هذه الموروثات أي فرد في المجتمع من الرؤية الصحيحة، هذه الموروثات اتّفق الفلاسفة والمفكرين والعلماء على تسميتها (تفكير القطيع) و هو الذي يتمثل في التجسيد العملي للأفكار والعقائد عندما تكون غير واعية وغير مسموح بمراجعتها نهائيا.
وربّ سائل يسأل:

إذن ماهي الإجراءات اللازمة للخروج عن تفكير القطيع وتحطيم كل تلك الحواجز وتخطّي كل تلك العوائق للسّماح للعقل بالتفكير بحرية؟
الفيلسوف (ايمانوئيل كانط) يقول (تجرأ على استخدام عقلك و فكّر بنفسك لنفسك). فماذا يعني هذا القول..؟

يعني أنّ تنظر للأشياء كما تراها أنت، لا كما نظر إليها الأسلاف والأجداد، ولا كما يراها الآخرون من هم حولك، أي لا تسمح لغيرك بالتفكير بدلا عنك. لكن يأتي الآن السؤال الآخر: ما هي الأدوات المطلوبة حقا للخروج عن تفكير القطيع..؟

إنّها الصبر والجرأة والشجاعة وقوة الإرادة و العزيمة، وإذا لم يمتلك الإنسان تلك الأدوات، عليه أن يفعل كما يفعل بقية الناس من إتباع أعمى للقطيع والبقاء ضمن ذلك القطيع، واتباع طريق التقليد والوراثة بلا تفكير.

 يقول كانط: إن أكثر النّاس تؤمن بالحقيقة المزيفة الموجودة بدافع الكسل وعدم الجرأة على استخدام العقل.
والتنوير العقلي كما يصفه كانط هو (تحرير الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه، وهذه الوصاية هي عدم قدرة الفرد على إتخاذ قرار دون توجيه من الأخر، ليس القصور العقلي هو من جلب هذه الوصاية، بل جلبها انعدام الاقدام و الشجاعة على استخدام العقل).

إذن لا بد للانسان من إيقاظ عقله، والإستيقاظ من السبات الفكري، حتى الفيلسوف (كانط) الداعي للتنوير استفاد من تراكم معرفي هائل استمده من ديكارت وجان جاك روسو وديفيد هيوم، فهو الذي يقول (أيقظني روسو من سباتي الأخلاقي وأيقظني هيوم من سباتي الفكري).

الشجاعة هي إتخاذ القرار في التمرد والثورة على السائد والشائع والقديم والمتحجر من الموروث بكل أشكاله، الخروج عن أفكار تعود الإنسان عليها، التخلي عن عقائد وهمية سكن الإنسان إليها، الشجاعة هي طرح كل تلك التقاليد والأعراف البالية التي تربى عليها الإنسان وترسخت في وعيه ولا وعيه. لكن هل من الصحيح طرح كل تلك الموروثات جانبا..؟

الجواب لا بالتأكيد، بل المطلوب وضع كل تلك الموروثات والتقاليد والأعراف أمام دائرة الفحص والاختبار، فحص كل ما لدينا من موروثات و وضعها أمام دائرة النقد، فإذا أثبتت صحتها وبأنها سليمة نبقي عليها ونتمسك بها، لكن من الخطأ المدمر أن لا يطرح الإنسان كل تلك الموروثات إذا تبين له عدم صحتها وعدم فعاليتها وإنّها مجرد عقائد قد تخطاها الزمن، الشجاعة هي أن لا يكون الفرد كبقية القطيع التي تؤمن بالحقيقة بسبب الإجماع، الحقيقة هي ما يكتشفها الفرد ويصل إليها بنفسه بعد أن يعرض جميع المعتقدات الموروثة على مبضع الشك والنقد.

الفيلسوف الانجليزي (برتراند رسل) والذي توفي عام 1970م عن عمر ناهز الثامنة والتسعين يقول (أن أوربا كلها مدينة لنهضتها لمائة عقل فقط من الفلاسفة والمفكرين والعلماء أمثال كانط و هيجل وغاليلو و غيرهم، وهذا دليل على أن النخبة هي المسؤولة عن تقدم المجتمع وهي المسؤولة عن تشكيل تيار ثقافي يحمل هذه الأفكار التنويرية ويعمل على تطويرها.

الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) الذي توفي عام 1984 يقول (إن التنوير من منظور كانط ليس فترة تاريخية لها ما قبلها و لها ما بعدها، لكنه سلوك يكون الفرد فيه مدعوا باستمرار لتطوير نفسه وتطوير العالم من حوله).

من كل ما تقدم فإن العقل هو الأداة الرئيسية والمصدر الأساسي للمعرفة، وعلى الإنسان أن يستخدمه دون حواجز وعوائق وحجب، وعليه أن يمتلك الشجاعة للوصول إلى الحقيقة، فإذا لم يصل لها اليوم فإنه سيصل لها غداً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending