عبد الرحمن زيطان
كاتب من المغرب.
مِن أخطر بنات الوهم الشيطاني تلك التي تسكن ذهنك في صورة فكرة سلبية، تدخلك ، من حيث لا تحتسب، في نفق الحديث النفسي الداخلي المظلم، فتغدو طريح فراش الحزن الأسود الغامض. وتلقي بك في بئر الوسواس العميقة المرعبة أحيانا، وتغمرك في ظلمات بحر الخوف الأسود المريب أحيانا أخرى. حتى تصير في عداد الأحياء الموتى الذين غضبت منهم حياتهم فكانوا كهشيم تذروه رياح الضياع والذبول.
لكن الأخطر من ذلك، وكما ينفذ عبر كثير من فرص الضعف والهشاشة النفسية، وما أكثرها في حياتنا هذه، هو حين يلعب كائن إنساني آخر، بوعي أو من دونه، دور ذلك الظل الممسوس والقرين المطرود من نعمة السعادة فيدخل مجالك الحيوي، ينشر فيه كتيبة من الأفكار السلبية، بكل ما يليق بها من سواد في القصد والغاية ومن براعة في التوصيف وسيولة في المظلومية وحدة في التصويب والوقع؛ حتى تصير، وأنت في كامل قواك العقلية، كما تعتقد، ضحية أفكارك وضعف مناعتك النفسية، بقدر سعة شبكة التوصيلات العصبونية النامية في دماغك.
وخاصّة أنّ الفكرة السّلبية خلية سرطانية، تنقسم على ذاتها بجنون، تتكاثر وتنتشر غازية متعبة. وأن التفكير المستمر، بجهد جهيد وعناد كبير وتركيز قوي، يقف وراء تنامي تلك الشبكات من التوصيلات وتعقد مساراتها، سواء أكان تفكيرا إيجابيا أو سلبيا. لذلك لا يمكنك فصل الطاقة المحركة لهؤلاء الشياطين وأعوانهم إلاّ باعتياد التفكير الإيجابي في قضايا تقع خارج ذاتك، واعتياد القراءة المكثفة في مجالات تحظى باهتمامك، وممارسة الكتابة العلاجية الموافقة لهواك وانشغالاتك المعرفية.
كل ذاك، بالقدر الذي يعزّز عندك الوعي بنسبية إدراك لذاتك ولما يدور في خلدها، وإدراكك لمجالك الحيوي وللآخرين من حولك، من جهة، وبقدرة عقلك على فكّ العزلة عن ذاته والسّفر بعيدا في مسارات من التأمل والتدبر وتعميق الفهم والاعتقاد الصادق بكمال العلم الرّباني بما تبديه النفوس وما تضمره، من جهة ثانية. فسبحان الله الذي جعلنا لا ندرك ما تحمله أنفسنا إلا بالنظر في تناقضاتها والخروج منها إليها، ولا ندرك معنى حريتنا التي هي شرط نماء كينونتنا في سيرورة وجودنا، بين المهد واللحد، إلا بقدر إدراكنا معنى أننا عباد لله عالم الغيب والشهادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending