الكاتب: صلاح بوسريف (المغرب)
 
 
 
 لا نتقدَّم في فِكْرِنا ووَعْيِنا، ولم نُدْرِك، بعد، ما لِقُوَّة الصيرورة والتَّبدُّل علينا، وفي نفوسنا وعُقُولنا، فقط نرى هذا في أبداننا، وفيما نُبْتَلَى به من عَلَلٍ وأعطاب وأمراض وعجز عن الحركة أو الكلام. وإذن، فنحن لا نُدْرِك من الصيرروة والتَّبدُّل، إلا الهَرَم والشيخوخة، بل الضُّعْفَ والهُزال، ولا نعي شِقَّها الآخر الذي له علاقة بالفِكْر والعقل والخيال، وما يمكن أن يبْلُغَه الإنسان من نُضْج، ومن وَعْيٍ وتَبَصُّر، وأن تكون عيناه تنظران، دائماً، إلى ما هو أمامٌ، وما هو آتٍ، ما يكون جديداً، مُخْتَلِفاً، هو انعكاس لهذه الصيرورة في ما لا نراه فيها، أو ما يكون صارَ عندنا قَناعات، ويقيناً، هو ما به ننظر إلى الوُجود، وكأنَّ هذا الوُجود صفحة واحِدَة يقرؤها كُلّ الناس، بنفس الحروف والكلمات، فيما الوجود كتابٌ لا تُـحْصَى صَفحاتُه، ولا حُروفُه، ولا كلماتُه، ما يعني الانتقال، والتَّبَدُّل، والاسْتِبْصار.
 
 ولعلَّ الخَطَر علينا، في كُلّ هذا، هو أنَّنا لا نُغَيِّر المِرْآة في النَّظَر إلى أنفسنا، وفي النَّظَر إلى الآخرين، وكأنَّ المرآة من تنظر إلينا، ولسنا مَنْ ننظُر إليها، ما يجعل التِّكرار، والاستعادة، والاجترار، هي ما نعيش به من رأي وفِكْر، دون أن نبحث، ونتأنَّى، ونَتَقَصَّى، ونُدَقِّق، ونُفَتِّت المعلومة أو السُّؤال والفِكْرَة، ونُعِيد فَهْم طبيعتها، وما بُنِيَت عليه من رأي، ومن نظر، ما يجعل ما نقوله، ليس نابِعاً مِنَّا، بما بلَغْناه، بل بما هو مُتداوَل، سائد، وهذه هي مُعْضِلَة الثَّقافة عند العرب، إنَّها ثقافة الشَّائع، والمُنْتَشِر، ومايُقال، ويُتَدَاوَل، لا أحد يَشُكّ، أو يتساءل، الجواب هو أسهل الحَلُول، رغم ما في الجواب من خطأ وخَلَل، ومن سوء قراءة للحقائق والمُعطيات، وسوء تأويل لها.
 
 الأمر ليس وليد اليوم، بل هو وليد قُرون من التَّوارُث، والتَّناوُب على هذا الفِكْر المُسْتَقِر، وهذا العَقْل الذي يدور حول نفسه، وهذا الخيال الذي نُعِيدُ به اجترار الوجود، بدل ابتكاره. والصيرورة ضمن هذا، لا نُدْرِكُها، ولا نُدْرِك الزَّمَانَ نفسَه كيف يتغيَّر من ثانية إلى آخرى، رغم ما سبق أن قاله لنا هيراقليط منذ قرون، اكْتَفَيْنا ترديد كلامه، دون أن نعمل به.
 
 العقل البشريّ، ومعه الخيال، حتَّى لا نفصل بينهُما أو نُبْعِدَهُما عن بعضهما، هُما من المَلَكات التي لا يمكن الحجر عليهما، أو العمل بهما ضِدَّ منطقهما، وما وُجِدَا من أجله، في رأس الإنسان: الإبداع، والابْتِكار، واقتراح الرأي، وطرح السُّوال، وتجديد النَّهارات، بتنويعها، وبالخُروج من نهار إلى آخر، لا بما يكون في النَّهار من طبيعة، بل بما يكون في الإنسان من استعداد للصيرورة، وللوُجود اليوم، بغير ما كان عليه البارحة، مثل الشمس والهواء والماء تماماً.
 
 وإذن، فما لم نُدْرِك الصيرورة، بهذا المعنى، فسنبقى محكومين بما يُقال، وما هو شائع، وما نُعِيدُ، نحن أيضاً، تَدْويرَه وتداوُلَه، دون أن نُفَكِّر فيه، وهو ما كُنْتُ عبَّرْتُ في كتاب «ضِدَّ البداهَة»، بما يُكمِّل هذا العنوان، ويُضِيئُه أكثر بـ «ما نُفَكِّر به ولا نُفَكِّر فيه».
 
 فلا داعِيَ أن ندَّعِي الحداثة، أو ندَّعِي التنوير، أو ندَّعِيَ حتَّى التقدُّم، والتطوُّر، إذا كان العقل، ومعه الخيال، أي ما نُفَكِّر به، يعمل بما يُـمْلَى عليه، بما هو شائع، لا بما نصل إليه تأمُّلاً، وتفكيراً، وتخْييلاً، وتساؤلاً، وتَقَصِّياً، لنصير مثل الببغاوات، ننتظر من سيكتب، أو سيتكلَّم، لنقول، ونكتب ونتكلَّم، لا نقول إلا المَقُول، وهذه هي مشكلة فكرنا وثقفتنا اليوم، ومشكلة مدارسنا وجامعاتنا، ومشكلة علاقتنا بالزَّعامات والحُكَّام، لا نكون إلا شَرْحاً لَهُم، أو شرْحاً لشرحهم، أو شرحاً على الشَّرْح، وهذه هي معضلة الثَّقافة والمثقفين في الثَّقافة العربيَّة اليوم.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending