
عبد الرحمان زيطان
كاتب من المغرب
ببساطة، التدريب أفقه المعرفة الآلية، في حين التعلم أفقه الوعي. فبيننا يقوم التدريب على الاستجابة وردود الفعل عن طريق تعزيز التذكر والنمذجة الموجهة للفعل ضمن جماعة أو بشكل فردي مستقل، فإن التعلم يقوم على التفاعل وعلى البناء والنماء المتدرج في درجات التعقيد وعلى الفعل الذاتي والمشاركة والتعاون. وحيث أن التدريب يستهدف تنمية الاقتدار الوظيفي على التطبيق وتحسين نجاعة الأداء، فإن التعلم يستهدف تنمية الاقتدار المعرفي على التفكير النقدي والتفكير الإبداعي وحل المشكلات والابتكار.
تكون محصلة سيرورة تطوير التدريب، عبر مستوياته المحددة سلفا، استقرار الفعل في بنية مستقرة، يكون فيها المتعلم موضوعا للفعل قابلا للتنميط السلوكي من أجل إعادة إنتاج البنية ذاتها وتحصينها بنظام معرفي ثابت، ينتهي بإجابات محددة ومستنبطة من الماضي، في حين تكون محصلة تطوير التعلم ونمائه في اتجاه المزيد من النضج، عبر مساراته المتعددة، تنويع الفعل في بنية متحركة ومتغيرة، يكون فيها المتعلم ذاتا كامل الأهلية، منفرد الكينونة، وفاعلا بثقة في ذات البنية، من أجل تفكيكها والعمل على تجاوزها وفق مخرجات نظام معرفي متسم على الدوام بالحركة والتغير، ينتهي بأسئلة منفتحة على المستقبل.
الخلاصة أن البيداغوجية المدرسية يمكن أن تنتج متعلمين نظاميين يتدرجون معرفية ومهاريا وقيميا ضمن بنية تعيد تجديد مقومات شرعية وجودها عن طريق أجوبة منفتحة على الماضي وعلى الحاضر في أحسن الأحوال. كما يمكنها، أي البيداغوجية المدرسية، أن تنتج متعلمين مواطنين متسلحين بمعرفة نقدية وفكر نقدي، فاعلين ضمن بنية في حالة تحول حقيقي. وهذا التحول يستمد موجهاته من التاريخ، كما يستمد مقوماته من تناقضات الحاضر وسياقاته، ينتج نموذجه الخاص عن طريق أسئلة منفتحة على المستقبل المجهول، بما يتطلبه الأمر من اقتدار على التكيف والقدرة على المواجهة والتحكم في دواليب الفعل والتأثير لا الاستجابة والسكون إلى ردود الفعل.
اترك تعليقاً