الأديبة: فوز حمزة (العراق)
قطراتُ دم كثيرة غطتْ ملامحَ وجههِ، لكنّها لم تمنعهُ من النظرِ إليها، كانت جميلة، متوهجة، ترتدي بنطالًا من الجينز الأزرق غامق اللون وقميصًا أبيض مكتوب عليه كلمتين باللغة الإنجليزية لم يستطع تبينها لأن حزام الحقيبة الجلدية التي تحملها من منتصف كتفها الأيمن حتى ردفها الشمال غطى على جزء كبير من الحروف فضلًا عن أن الكاميرا التي بين يديها لا تتوقف لحظة عن التقاط الصور. تركتْ شعرها البني منسدلًا على أكتافها، كانت تقف عند قدميه قبل أن تغير مكانها، فلم يعد يسمع سوى صوت عدسة كاميرتها.
الدّوران والغثيان، منعاه من تحريك رأسه، شعر بالدّم يسيل من أماكن أخرى من جسمه، فرك أبهامه بالسبابة، كانت المرة الأولى التي يعرف فيها كيف يكون ملمس الدم!.
حاول أن يلتفتَ ناحيتها، شعر كأنه محنط، مشدودٌ إلى الأرضِ، أرسل إيعازًا لساقه اليمنى ليتأكد من سيطرته على جسمه وحين تحركتْ، رفع قليلًا إحدى ذراعيه، لحظتها، ساورته مشاعر سعادة سرعان ما اختفت حين انقبضت عضلات معدته في محاولة فاشلة للتقيؤ، ازدادتْ حالة الدوران وبدأ يسمع الأصوات المحيطة به كأنها قادمة من عالمٍ آخر، صَوتُها وهي تُحدثُ زميلًا لها كان ناعمًا كما عهدهُ، لكنه أكثر جدية، فهي حريصة كعادتها على إتمام كلِ شيء بشكلٍ. مثالي، كان يعشق تلك الخصلة فيها، أشارتْ لزميلها عن مكان آخر، فيه اثنان آخران من الجرحى أحدهما ربما فقد حياته، لم تكن متأكدة كما أخبرته وهي تطلب منه الإسراع، والتقاط الصور لهما، فهذان الجريحان حصته، وهي تنحني عليهِ لتلتقط صورة له يبدو فيها أكثر وضوحًا، تنفسَ عطرها، لم يكن يفضل هذا العطر.
لكن الآن، شعر بعشقهِ لكلّ شيء فيها، جاءه إحساس أنّها سترمي نفسها عليه ثمّ تطبع على فمه قبلة طويلة، كما تفعل حين تجدهُ منشغلًا عنها، أما هو فيحاصرها لمنعها من الهرب، لكنها هذه المرة لم تفعل، بل انشغلتْ بالرد على الهاتف، أخبرتْ المتصل أنّ كلّ شيء على ما يرام، لقد غطتْ هي وزميلها الخبر، وستصل سيارات الأسعاف لنقل القتلى، والجرحى، قالتها بحروفٍ باردة، كأنه لم يسمع هذا الصوت من قبل، حاول أن يرفع يده ليشير إليها، لكنه فشل في أن يثير انتباهها نحوه، كانت تتباحث مع زميلها حول صنف الأكل الذي ستتناوله على الغداء ثم طلبت منه أن ينتظر منها اتصالًا آخر ريثما تكلم زوجها ليتفق الثلاثة على المكان، عاودته نوبة الغثيان ورغبة في التقيؤ، فصدر منه صوتٌ قوي أثار اشمئزازها، ابتعدتْ عنه وهي تطلب زوجها على الهاتف، التفتتْ نحوه، إذ كان الهاتف يردّد أغنية الاتصال التي وضعتها له.
اترك تعليقاً