
حفيظة مسلك
كاتبة وفنّانة تشكيلية (المغرب)
لو أنني رأيته..! لو أنني أعدت له الملح الذي يستحقه..! لو أنني حشوت الفقر داخل رأس أصلع، يحسن نطح الجدران، هذه التفاصيل ذات التعجب، شوهت ملامحي.
وصيتك تلك أرهقتني بما يكفي، كنت تقول لي ” تليق بكِ مهنة المحاسبة” ها أنا جالسة أنظر إلى الملفات التي تستوطن مكتبي وتأخد من أعصابي وتركيزي جهدا مضاعفا ولا مجال للخطأ، رسمت لي خارطة طريق أشبه بساعة لامعة ملغومة بفوارق دقيقة، شأنها شأن عارضة أزياء ينتهي بها المطاف في دور المسنين، جعلتَ لوصيتك الممثل الشرعي الوحيد، شرطا أساسيا ” إياكِ والتفريط في أرضنا ، إياكِ وبيعها مهما حدث”.
آه ثم آه يا عمري كيف ذلك؟ ها هم إخوتي يكبرون ويحتاجون إلى مصاريف لا نهاية لها، راتبي لا يمكنه تسديد جميع المتطلبات، لو أنك سمحت لنا بالتصرف فيها، لكنا بخير وانصرف أبناؤك إلى مبتغاهم، نحن بعد رحيلك، غرباء وضحكتنا بائسة غارقة في أقداح من عقلم، ابنتك “سَنَا” لا يليق بها نتف شعر رأسها ليلا، نوبة تنتابها وهي نائمة، رغم تفوقها في دراستها إلا أنها غارقة في التناقض، ابنك “رضا” يدرس القانون ! يتسلل ليلا ليتحدث هاتفيا مع سيدة أظنها أكبر من عمر زوجتك التي تركتها في صدمة لن تنتهِ إلا بعدما تكون معك هناك، حيث تركتنا ولن ترجع أبدا .
لا أحد يا عمري نقي بما يكفي على نحو مطلق، لا أخصّ به البدايات ولا النهايات، وإنما القرار الذي يجب أن يخدم الجميع، أن ينقذنا نحن مثلا، كلنا خطاؤون، سيؤون في تعبئة الوضع وعلى النقيض نلتهم الصمت، ها هو مديري كل يوم يخصص بعض الدقائق ليجول في الرواق، يهز حزام سرواله، يفتعل حركة غريبة، يسير المؤسسة بقبضة من حديد ولا يتحكم في حزام سرواله، عجبا..!
أيريد أن يقول لنا تبا لكم أنتم الشغيلة ليس لديكم الوقت لتتنفسوا في حضرتي؟ أم يريد أن يظهر لنا أن الجثة التي يحملها سببها جارية تدغدغ كرشه السمين؟ مالي ومال حظي هذا، أن أبصق على وجهه وأدعوه أن يكتب كتابا قذرا عنوانه”فن الشتيمة لأشباه البهيمة” أستطيع التحدث إلى رجل مجهول بلا ملامح واضحة على أن أتحمل هذا العبور الوقح طوال اليوم، رؤية أنفه المفلطح يصلح لتسريب مهمة مستحيلة، أنا سيئة وناقمة، لا أصلح كمحاضرة في النفط والشراء والتمييز بين أنواع الشاي، أراه أسود اللون بينما يطلق عليه الشاي الأخضر… أي أخضر أو أحمر أو أسود وأنا لم أمسك بيدي يوما “دولار واحد” رأيته فقط في التلفاز! أريد أن أشمه وأفرغ ما في قلبي من عبارات مهينة بحقه، لا يريد زياتنا ولو لمرة واحدة، ألا نستحق تعبئة جيوبنا به، ونطوي حافة البركة بابتسامة ساخرة.
سألتقط أنفاسي، لأتذكر من ناداني بحربائي وشمسي وعافيتي، من تحتم عليّ تركه ذات يوم، من جعلني الصورة التي تجيء فتختفي رغما عنها، من خشيت قربه فانتهى بنا الوعد كابتسامة شاحبة، العقل لا يرتبك عندما تختار شخصا في البداية، تهين أدق وأقوى ما فيك لتكون معه، تكون له، ثم تنهار كطفل سرقوا منه لعبته، الآن صار متزوجا وأب أطفاله الأربعة، وأنا الجالسة على هذا الكرسي اللعين، يحسب نفسه الهدية، مساءً سأعيد مشاهدة فيلم NAD عن قصة” ديانا نياد” التي سبحت من كوبا إلى فلوريدا في الثاني سبتمبر 2012، امتدت الرحلة 165 كيلومترا، استغرق ذلك 52 ساعة، خمس محاولات حتى حققت حلمها وهي في عقدها السادس، نتشابه في شيء واحد، الحياة فكرة طارئة والمحاولة قرار مستمر، الدنيا غيمة عابرة، وأنا عملية حسابية قائمة، أقصى مناي لفيف مُلْفت للانظار، ولو بين الحشود يقول لي:
– اهدئي، نحن معك..!
أقسى ما يمر به المرء هو أن لا يستطيع مواساة نفسه..
أنا هديل، ولست مستعدة.
*هذا المساء، دودة برأسي استقرت فأحدثت فوضى عارمة، فكانت على شاكلة هديل… وكان الإخراج هكذا، متسع لأشياء تتعافى لوحدها.




اترك تعليقاً