الكاتبة: فادية عريج (سوريا)
 
 

الصِّغار المتفائلون هم أولئك الذين يتطلعون إلى المستقبل بعين الأمل لأنهم يعرفون في قرارة نفوسهم بأن لديهم من المهارات ما يمكنهم من مواجهة التحديات، إن هؤلاء الأطفال المهرة المتفائلين أعظم سعادة وأوفر صحة من أقرانهم المتشائمين. إن تنشئةَ الطّفل المتفائل تتطلبُ من الأبوين جهدا خاصاً نمطيا ينمي لديه مهارات تمكنه من مواجهة مطالب الحياة وتقبلها بيسر وسهولة، ومن حسن الطالع أن تنشئة طفل متفائل ليست عملية معقدة ولا يُظن أن وقتها تأخر أو أنه لم يحن إذ يمكن تداركها في أي سن وفي أي وقت؛ فشعور الطفل بأن هناك من يهتم بأمره يولد لديه الإحساس بالأمان وأن الدنيا مكان صالح للعيش، والأم التي تهدهد طفلها الصغير الباكي مثلا تولد فيه الإحساس الذي يبث في نفسه الطمأنينة وبالتالي سيولد فيه شعورا أن هناك من يرعاه ويعتني به وسيجد نفسه يواجه أوضاعا جديدة تلازمه ويبقى محافظا على تفاؤله وشعوره لأنه حاصل على الرعاية وهذا بدوره يزيد ثقته بنفسه؛ والثقة بالنفس تعني شعور الطفل بقدرته على النجاح، وتبين مقدار قدرته هذه عند تنفيذ العمل الذي يريد القيام به.

 

وثقة الطفل بنفسه تولد لديه قدرة فائقة على الاحتفاظ بنظرة إيجابية إلى نفسه، فهو قادر على تحقيق النجاح فيما يعرض له من مواقف وأعمال، وتكرار النجاحات يولد لديه شعورا عميقا بالتفاؤل الدائم. الأطفال المتفائلون يتصورون أنفسهم أقوياء، وأن العالم ينعم بالأمان، ولهذا إذا فشلوا في امتحان ما أو خدعهم أحد الأصدقاء فإن النكسة الناتجة عن ذلك تكون مؤقتة، فهم مؤمنون بأنهم لا يزالون جديرين بالثقة ولديهم القدرة على المقاومة حتى ولو سارت الأمور نحو الأسوأ. من المهم جدا أن نغرس الأمل والتفاؤل في نفوس الأبناء منذ الصّغر حتى يتعودوا على الصّعاب لأنّ التّفاؤل طاقة يودعها الله تبارك وتعالى في نفوس البشر لتمكنهم من مجابهة هذه المصاعب في مسيرة حياتهم. إن إظهار الوالدين حماستهما وتشجيعهما وإظهار العبارات الداعمة لأي عمل إيجابي يقوم به الطفل يولد في نفسه إحساسا بالاعتداد والثقة بالنفس وأنه يستطيع أن يقوم بعمل جليل، مما يجعله طفلا سعيدا وبالتالي متفائلا. التربية التفاؤلية تعين الطفل على النجاح وعلى الاستمرار بالنجاح وعدم التفكير باليأس..

 

وإن بعض الآباء والأمهات يخطئون مثلا عندما يحبطون أطفالهم بعبارات تدعو لليأس والقنوط، مثال التخويف من المرحلة التي سوف يدرسونها، أو الامتحان، كقولهم: أتحداك أن تنجح لأن هذه السنة ليست كسابقتها، مثل هذه العبارات عن قصد أو غير قصد تترك آثارا تشاؤمية سلبية على نفسية الطفل. وسائل الترهيب والتعنيف مثل تضيق الخناق على الطفل وحرمانه من اللعب مع الأصدقاء، أو ممارسة هواياته المفضلة، وعدم التقرب منه والاستماع لمشاعره السلبية وتقبلها وتفهما مهما كانت الأسباب والبحث عن حلول لها ومساندته عاطفيا بالحب والحنان. إن النقد اللاذع واستخدام مفردات التعنيف القاسية وعدم تشجيع الأطفال عند قيامهم بأعمال حسنة واستخدام الضرب كوسيلة من الوسائل التي يعتبرها بعض الأهل وسيلة تأديبية وهي من أشد الوسائل خطورة على الطفل. كل هذا يجعله طفلا انطوائيا وربما عدائيا فيما بعد، أو متشائما انعزاليا فاقد القدرة على الانتباه والتركيز والتفوق الدراسي، والانخراط في بيئته الاجتماعية.

 

وهذا ما تحدث عنه رائد علم النّفس الإيجابي *(د. مارتن سيلجمان) أن هناك طرقا وأساليب خاطئة يقوم بها الوالدين نحو الطفل تجعل منه طفلا متشائما حزينا منطويا مما ينقص رغبته في مزاولة أنشطته، وانسحابه من مجتمعه، وشعوره بأنه غير محبوب ولديه تدنٍ في مفهوم الذات، مما يجعل منه متشائماً والتشاؤم ليس أسلوب سلبي للتفكير، وإنما يعد أحد أكثر التهديدات جسامة لصحة أطفالنا في عصرنا الحاضر؛ حيث يقول:” إنه المرض المؤدي إلى الاكتئاب”.

 

وأخيرا: المتفائلون يفسرون الأحداث الإيجابية والسلبية بأسلوب معين يجعل الأحداث السلبية قليلة الأهمية والأثر، والأحداث الإيجابية قيّمَة وعظيمة، وللسّعادة ثلاثة أبعاد يمكن تنميتها لدى الأفراد وتتمثل ب: الحياة الممتعة – والحياة الطّيبة – والحياة ذات المعنى. لنعمل على هذا مع أطفالنا كي يصبحوا أفراد قادرين على بناء مستقبلهم والوقوف بوجه المصاعب وتحديات الحياة وبناء المجتمع بناء سليماً لأنهم أعمدة المستقبل.

——

*د.مارتن سيلجمان / عالم نفس أمريكي ومعلم ومؤلف كتب مساعدة ذاتية، لنظرياته المتعلقة بعلم النّفس الإيجابي والرّفاه داخل المجتمع. ويعد رائد علم النّفس الإيجابي.

المراجع:

1- (تعليم التفاؤل) تأليف د. مارتن سيلجمان ويلقب بأبي علم النفس الإيجابي في العصر الحديث.

 
 

ردان على “كيف تُنشئ طفلاً متفائلاً وأهمية التفاؤل للأطفال. للكاتبة: فادية عريج (سوريا) ”

  1. بوركت جهودكم القيمة

    1. لك الشكر والمودة تقديراً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending