
الكاتب: د. محمد مشبال (المغرب)
من خلال مواكبتنا للخطاب النقدي العربي منذ بدايات انفتاحه على المناهج النقدية الغربية، يمكننا أن نميز بين نمطين؛ نمط يعيد تقديم هذه المناهج بصيغ متفاوتة القيمة العلمية، ونمط يعتمد مفاهيمها وأدواتها في إنتاج معرفة جديدة بالنص الثقافي العربي. وكلا النمطين قاما بأدوارهما في بناء الثقافة النقدية العربية الحديثة ونقلها نقلة واسعة. بيد أنه مع مرور الزمن وتزايد الترجمات العربية لأهم المصادر النقدية الغربية، تقلّصت أهمية النمط الأول وازداد الاستغناء عنه وخاصة بعد أن تحوّل إلى نمط سهل يركبه صغار الباحثين غير القادرين على تقديم رؤية ذاتية مركبة لهذه المناهج أو تقويمها تقويما ينم على خبرة وكفاية من شأنهما تعميق معرفة القارئ بها، بينما ازدادت أهمية النمط الثاني لصعوبة ركوبه لما يكلفه من إبداع وجهد وكفايات ذاتية، ولحاجة القارئ العربي اليوم إلى إنتاجاته التي تنمّي إحساسه بهويته الثقافية التي يفتقدها في النمط الأول الغارق في الاستنساخ العقيم.
من المؤلفات النّقدية الحديثة التي يمكننا تصنيفها في النمط الصعب، كتاب الباحثة المغربية نعيمة الواجيدي (النظرية الجمالية في العروض عند المعري: دراسة حجاجية في كتاب “الصاهل والشاحج”، المدارس الدار البيضاء 2024). ويستند تصنيفي لهذا الكتاب ضمن هذا النمط إلى أن اختيار الموضوع ينم على رؤية غير مطروقة؛ فالكتاب ليس في تطبيق نظرية الحجاج على نص عربي على سبيل الانتصار للمقاربة الحجاجية أو الاستدلال على الكفاية الإجرائية لهذه النظرية؛ إن المقاربة هنا ليست سوى أداة سمحت للباحثة بإثبات أطروحتها المتمثلة في أنّ كتاب “الصاهل والشاحج” نص بليغ أو حجاجي، وأن الخطاب النقدي-العروضي في هذا النص مهما يكن خطابا علميا قائما على تقديم معرفة بعلم العروض بمفاهيمه ومصطلحاته وتصنيفاته وقضاياه المجردة، فهو خطاب متجذر في السياق التداولي الذي يتمثل في أنّ للمؤلف دعوى يدافع عنها ويسعى إلى إقناع القارئ المفترض بنجاعتها، كما أنه صاغ نصه في سياق تفاعله الحواري مع نصوص علمية عروضية سابقة ومنها النص الأساس للخليل بن أحمد الفراهيدي. من هذه الزاوية فالكتاب يُصنف ضمن الدراسات المهتمة بتحليل الخطابات من منظور بلاغي حجاجي؛ فالباحثة منصرفة لتحليل النقد-العروضي في كتاب المعري باعتباره خطابا حجاجيا يترافع فيه المؤلف عن دعوى مفادها أن “العروض” ليس علما صارما يقوم على القواعد، بل نظرية جمالية تقوم على الذوق. وقد سخّر في مرافعته جهازا حجاجيا اضطلعت الباحثة بتوصيفه وصفا دقيقا.
ولعلّ القارئ يتساءل عن أهمية هذه المقاربة البلاغية الحجاجية في دراسة خطاب علمي غايته الأساس بناء معرفة بمكون من مكونات إيقاع الشعر العربي؛ أو بصيغة أخرى: ما جدوى هذه المقاربة لخطاب يراهن على المحتوى العلمي وليس على الشكل الخطابي؟ لم يغب هذا التساؤل عن بال الباحثة التي أثبتت أن الخطاب العروضي وغيره من الخطابات العلمية التي تجاورت في كتاب المعري لا يمكن فصلها عن الشكل الخطابي الذي صيغت فيه؛ فهي خطابات تواصلية لا تكتفي بتقديم المعرفة بل تروم الإقناع بها؛ لأنها معرفة لا تحظى بالاتفاق؛ من هنا رأت الباحثة أن تقديم المحتوى العروضي بمعزل عن شكله الخطابي يقدم للقارئ معرفة مبتورة؛ لأجل ذلك حرصت حرصا واضحا على بناء عملها بناء يتجاور فيه المحتوى العروضي العلمي والشكل الخطابي الحجاجي؛ بدءا من العنوان الخارجي(النظرية الجمالية في العروض../ دراسة حجاجية في كتاب..) مرورا بالعناوين الداخلية مثال ذلك عنوان الفصل الأول (تعريف الشعر والرجز وتفضيل القصيد على الرجز(حجة التعريف والمقارنة والقياس). فتحليل الباحثة للخطاب العروضي أظهر أن النقد العربي القديم ليس مجرد محتوى علمي خالص، بل هو أيضا خطاب أدبي وتواصلي يتفاعل مع هذا المحتوى.
لكن على الرغم من قيمة مقاربة الباحثة الحجاجية في تحليل الخطاب العروضي وإظهارها نجاعة البلاغة في صياغة المعرفة العروضية، إلا أنها واجهت معضلة منهجية لم تدّخر جهدا في تجاوزها، وهي كيف تصوغ عملا يزاوج بين أطروحتين: تقديم المعرفة العلمية (نظرية المعري الجمالية في العروض) وبين تحليل الخطاب الحامل لهذه المعرفة (المقاربة الحجاجية للخطاب)؟
لا يفوت قارئَ العمل الإحساسُ بالمعضلة التي عانتها الباحثة وهي تصوغ عناوين عملها وتنتقل بين الأبواب والفصول والمباحث الجزئية؛ هل تنسج معمار كتابها بخيوط الأطروحة الأولى (نظرية العروض)، أم بخيوط الأطروحة الثانية (مفاهيم وتقنيات الحجاج)؟ هذه المعضلة هي التي تفسر لنا تجاهل المؤلفة الربط بين الأبواب والفصول بواسطة استهلالات وخواتيم تذكِّر القارئ بأطروحة الكتاب ، وإن كانت قد عمدت في خاتمته إلى إثبات أن الأطروحة الأساس تمثلت في التحليل الحجاجي للخطاب العروضي وأن اهتمامها بنظرية المعري في العروض لم يكن سوى اهتمام بالتبعية، بناء على أن هذه النظرية شكلت الدعوى التي انبرى المعري للمرافعة عنها. وعلى هذا النحو أمكنها في النهاية أن تسد الثغرة التي واجهتها طوال صفحات الكتاب بإقناع قارئها أن أطروحتها المركزية تكمن في بلاغية المعرفة العروضية وحجاجيتها وليس في المعرفة العروضية في ذاتها. فالخاتمة أخرجت ما ظل كامنا في البحث.
اترك تعليقاً