في رحلة التعلم لا يكون العقل وحده هو المحرك بل هناك قوة خفية شعلة متقدة تدفع التلميذ إلى الأمام تعينه على تسلق المرتفعات الفكرية ومواجهة تحديات الدروس والاختبارات، إنها قوة التحفيز ذاك الصوت الداخلي الذي يهمس في أذنيه كلما تعثر قائلا استجمع قواك يا صغيري و انهض، وذلك الضوء البعيد الذي يجعله يرى ما بعد العقبات حيث تلوح له آفاق النجاح.
لا يمكننا التحدث عن التحفيز دون التطرق إلى أنواعه، التي يمكن تقسيمها إلى نوعين أولهما الداخلي الذي ينبع من أغوار التلميذ نفسه وخارجي يأتي من البيئة المحيطة، فحين يفتح التلميذ كتابه بشغف مدفوعا بحب المعرفة فهو آنذاك متحفز داخليا أما حين يسعى لنيل استحسان معلميه أو الفوز بالجوائز والتقديرات فهو يستمد التحفيز من الخارج وكلا النوعين مهمان، لكن يبقى التحفيز الداخلي هو الأكثر استدامة لأنه ينبع من قناعة ذاتية لا من ضغوط عابرة.
لا مناص من القول أن دور المعلم يبقى محوريا في تشكيل التحفيز عند التلميذ، فقد أثبتت الدّراسات التربوية أن الطفل في المرحلة الابتدائية من التعليم وبالخصوص السنة الأولى منه، تنمو لديه مشاعر حب الدّراسة والتعلم إذا ما لقي سندا يستند إليه ومرشدا يسدد خطاه، ومحفزا يستثير طاقاته، و منه يمكن استنتاج أن المعلم الجيد هو الذي لا يكتفي بشرح الدرس بل يشعل الفضول عن طريق تغذية الطموح و يرى في كل تلميذ بذرة تحتاج إلى العناية لتنمو و تزهر.
من جهة أخرى، داخل أسوار المنزل تنمو أولى جذور التحفيز، فالتلميذ الذي يجد في عائلته دعما وتشجيعا يشعر بأن جهوده مقدرة ما يدفعه إلى المضي قدما، ليس بالضرورة أن تكون العائلة مثالية أو غنية بالموارد لكن يكفي أن يكون هناك حضن دافئ وأذن صاغية وكلمة طيبة تقال في اللحظات الصعبة. إن مسيرة التلميذ لا تأتي مفروشة بالورود بل تعترضها عراقيل كثيرة منها صعوبة الفهم، الملل، ضغط الامتحانات وحتى الخوف من الفشل، هنا يتجلى دور التحفيز كطاقة تمنعه من الاستسلام عندما يفهم أن الفشل مجرد خطوة نحو التعلم وأن كل عقبة هي درس جديد، ما يجعله يحول التحديات إلى محفزات تدفعه إلى الأمام بدلا من أنّ تعرقله.
ولكن لا يمكن للتلميذ أن ينتظر التحفيز من محيطه دائما بل عليه أن يتعلم كيف يغذيه من داخله، ويمكنه تحقيق ذلك بعدة طرق لعل من أبرزها تحديد الأهداف، هذا لأن وضع أهداف واضحة سواء كانت صغيرة كإنهاء فصل من الكتاب أو كبيرة كتحقيق معدل مرتفع يساعد في جعل المسيرة ذات معنى، ثم كذلك تقدير الإنجازات فالنظر إلى التقدم المحقق حتى ولو كان بسيطا يولد الشعور بالإنجاز ويعزز الثقة بالنفس، شريطة الاحتفاء بالتعلم لا بالدرجات فقط لأن جعل الهدف هو الفهم والاستكشاف يجعل الدراسة رحلة ممتعة وليست مجرد سباق للحصول على العلامات، هذا و أيضا وجب على التلميذ البحث عن مصادر إلهام كقراءة سير الناجحين التي تلقنه درسا مهما مفاده أن تحدي الصعوبات و مجابهة العراقيل و المثابرة تؤتي ثمارها مع مرور الوقت.
في مسيرة التعلم قد تهب رياح التعب ويخبو الحماس أحيانا لكن التلميذ المتحفز قادر على إعادة إشعال الشرارة كلما انطفأت لأنه يدرك أن النجاح ليس محطة يصل إليها بل رحلة مستمرة تحتاج إلى وقود من الشغف وصبر يضيء العتمة وما دام هناك حلم وما دامت هناك إرادة فإن التحفيز سيبقى دائما النور الذي يهدي خطواته نحو غد أكثر إشراقاً.
بقلم: محمد أمين (المغرب)
اترك تعليقاً