
الكاتبة: هناء نور (مصر)
تحدثت كثيراً مع أصدقائي، وفيما أكتبه عن آثار التطرف، كرّرت كثيراً كلمة: كلّ التطرف وباء.. هذا التّطرف غير مقصود به فقط التّشدد الديني؛ الذي يأتي على البال بمجرد ذكر كلمة تطرف، وبالتأكيد التطرف الديني، أدى إلى الكثير من المصائب والحروب، على سبيل المثال لا الحصر، محاكم التفتيش، ذلك التوجه الذي عانى ضحاياه صورا تتخطى حدود الخيال في التعذيب والقمع، وفي العالم الإسلامي وجدت جماعات على قدر لا نهائي من التطرف كجماعة الإخوان المسلمين، وتنظيم داعش، تلك الجماعات والتنظيمات التي تهدف لعودة دولة الخلافة، وهي بالطبع فئات مسلحة، ولا تسمح للآخر بالخلاف الفكري معها، ولا تمنح مساحة لحرية التفكير، فإما أن تكون معها أو ضدها، وإن كنت ضدها فأنت كافر ويجب أن يقام عليك الحد..
وهناك أيضا التّطرف اللاديني، ورغم عدم خطورته كالتطرف الدّيني؛ لأنه تطرف غير مسلح في النهاية، لكنه لا يخلو من خطورة أيضا، ألا وهي إقصاء الآخر، وأكثر الفئات المتطرفة في الإلحاد فئات مثقفة، ولا أعرف كيف تنسجم الثقافة الحقيقية مع فكرة التطرف؟!.. فالمتطرف في الإلحاد قد يغيب عنه أن الكثير جدا من الناس، إن فقدوا الإيمان بالله، وبأحد الديانات الإبراهيمية، أو الديانات الشرق آسيوية، كالطاوية، والبوذية، والكونفوشيوسية، مثلا، إن فقد الناس الإيمان بدياناتهم قد تنحدر أخلاقهم، فالبعض لا تقوده فكرة الضمير، وتقوده فكرة الخوف، البعض أيضا لا يستطيع أن يسير بشكل سليم وفق قناعاته الخاصة.
فعلى سبيل المثال لو ناقشنا فكرة الزّكاة والصّدقات، فالكثير من الناس يؤتون الصدقات بناء على أمر ديني، هكذا صلة الرّحم أيضا، وربما لو تخلّى هؤلاء عن معتقدهم الديني، لتخلوا بالتالي عن الكثير من الأفعال الحسنة التي يفعلونها تنفيذا لأوامر عليا، وخوفا من عقاب إلهي، نعم الضمير هو ما يجب أن يقود الإنسان وأفعاله، لكن الواقع يؤكد أن الكثيرين يلتزمون بفعل الأشياء الصحيحة أو الواجب، وفقا لدين أو قانون ما، والسؤال الذي يبدو مثاليا لكنه يطرح نفسه دائما: لماذا لا نعيش في سلام، ونتقبل بعضنا البعض على اختلافاتنا الدينية، والمذهبية، والفكرية؛ أي غير المؤذي منها للآخر..!؟
وأظن أن بعض الخلاص في التحرر من التطرف..
وأظن أن بعض الخلاص في التحرر من التطرف..
وقد يكون من الصّعب جداً، التّحرر من تطرف تربينا عليه، وتغذت عليه أفكارنا منذ الطفولة، لكنه في النهاية ليس أمراً مستحيلاً، وقد يبدأ المرء بنفسه أولاً سعياً للتّحرر من التّطرف؛ كلّ تطرّف، فليس التّطرف الدّيني فقط هو ما عانيناه ونعانيه، بل إنّ واقعنا به مختلف أشكال التطرف، بدءا من التطرف في الكراهية، في الثناء، الهجاء، التقصير، الإقصاء، التطرف في الحب حتى، فكارثة هذا التطرف أنه دائما يتحول بقوة إلى النّقيض، ومن المضحك والمحزن في الوقت نفسه، أنّ الطبيعة نفسها تميل إلى التّطرف، تطرف في البرد، في حرارة أقرب للجحيم على سبيل المثال، وجميعنا ضحايا للتطرف بصوره المختلفة، وكما سعى الإنسان لمواجهة تطرف الطبيعة وقسوتها، فصنع أدوات تقيه البرودة والحرارة، وآثارها، يستطيع أن يتحرر من تطرفه الخاص، وحتى ننجو ليس علينا إلاّ التّأمل، وإعادة النّظر، والمحاولة…
اترك تعليقاً