الكاتب: صلاح بوسريف (المغرب)
 
 

ما الذي سنجنيه، جميعاً، من كون الناطقين بالأمازيغية، هم الأكثر في المغرب، وقد صرَّح بعض الناشطين من الأصدقاء في هذا المجال أنَّ نسبة هؤلاء من مجموع سكان المغرب تصل إلى % 90، والنسبة هي الرُّبُع، حسب الإحصاءات الأخيرة، كما صرَّح بذلك المندوب السامي، في آخر ندوة له، أمام الصحافة والرأي العامّ، مع ذِكر أنَّ هامش الخطأ في الإحصاءات العامَّة، كما يُفِيدُ بذلك الخبراء، لا يمكنه أن يتجاوز % 1 أي بما لا يكون مُؤثِّراً على النسبة العامة للإحصاء. وهذه ليست المرة الأولى التي نسمع فيها مثل هذه النسبة العالية والغالبة للأمازيغ في المغرب، بما يعنيه ذلك من توكيد للمقولة التي ترى أنَّ أصل سكان المغرب أمازيغ، والباقون دُخلاء.

ما يمكن أن نستنتجه من هذا، أنَّ هذا النِّقاش غير ذي جدوى، كما أنه ليس مُفِيداً، رغم أنَّ معرفة تلوينات السُّكان، وما هُم عليه من أعراق ولُغات، يمكن أن يُضيء لنا بعض الجوانب من تاريخنا، وحضارتنا، وثقافتنا، وانتماءاتنا البعيدة التي انحدر منها كُلّ واحد من المغاربة، لكن، هؤلاء الذين يرون فينا جميعاً أمازيغ، وأنَّنا، فقط، انحرفنا عن أصولنا، أو شابها غُبار الأزمنة والتواريخ، وما حدث من اختلاط، ويرفعون النسبة إلى 90 % أو أكثر، إنما يُؤكِّدون على انتصار عِرْقٍ على عِرْقٍ، ولُغة على لُغَة أو لُغات، وأنَّ الذين ليسوا من هذا الأصل الغالب، غُرباء وأجانب، وقد عبَّر عدد من المُتَعَصِّبين للأمازيغية، في هذا السياق، عن حقدهم على المغاربة من الأصول العربيَّة، وأنَّ عليهم أن يتركوا المغرب لأصحابه، وهذا، لمن يفهم مثل هذا الكلام، وما يرمي إليه من تمزيق وحدة البلاد، ولنسيجها المُتماسك عبر التاريخ، هو من مظاهر التفكيك والتَّشرْدُم، وهو ما كان الظهير البربري سعى إليه، ووقف المغاربة قاطبة ضِدَّه، دون هذا النوع من الخطابات الأيديولوجية التي لا تُفِيد في شيء، سوى تقطيع العَلَم، أو تمزيقه إلى أعلام، ونحن نرى ما يجري في أكثر من مكان، كانت فيه مثل هذه الآراء جحيماً على الجميع.
 
لا أرى في نفسي أمازيغيّاً، ولا بَدويّاً، أو جَبْلِيّاً، أو فاسيّاً، أو مُراكُشيّاً، أو صحراويّاً، أو من أصول أندلسيَّة، أو غيرها من التَّنْويعات الوطنية للبلد الواحد، بل أنا كُلّ هؤلاء، في نسيج وألوان علم واحِدٍ، وخارطة واحدة، وتراب واحد، بجغرافيته التي لا يمكن أن أقتطع منها أيّ شيء لأيّ كان، وهؤلاء جميعاً، هُم أنا، دون أن أضع في اعتباري، وأنا في أي مكان من الأمكنة التي يُسمَّى بها البَدَوِيّ، أو الفاسي، أو الأمازيغي، أو الصحراوي، أنني أجلس مع شخص ليس من نسيج ثوبي، و لا أنا من نسيج ثوبه، وإلا فسنكون، جميعاً، مِزَقاً، أو رُقَعاً تلهو بها الرِّيح، وتُشَتِّتُها في أكثر من لسان، وفي أكثر من لون، ومن لباس، ومن طعام، فيما كُلّ الألسن هي نحن جميعاً، وكُلّ الأطعمة هي طعام واحد، وكُلّ الألوان هي لون واحد، وكُلّ الألبسة، هي نفس اللباس نرتديه بالهوية الواحدة المتنوعة المفتوحة على التَّوسُّع، وعلى التَّعدُّد، لا تضيق بأحد، ولا أحد يضيق بها.
 
لا أرى، ولا يرى غيري من المغاربة، أنَّ بيننا من هو غريب عنَّا، أو نحن غُرباء عنه، أو من هو دخيل ومُحْتَلّ أو غازٍ، أو من علينا وضعه في آخر سُلَّم التُّراتُبيات الاجتماعية، والتاريخيَّة، والثَّقافية، أو من له قيمة لأنه عربيّ، أو أمازيغي، ومن لا قيمة له لأنه ليس عربيّاً، أو ليس أمازيغيّاً، فهذا فيه غلط كبير، وجِدالٌ فارغ من أيّ معنى أو قيمة، ولا نعي خَطَرَه على طبقات وُجُودِنا الجيولوجي، بما اخْتَلَط في دمنا من دماء، وفي هوائنا من هواء، وفي ترابنا من تراب، وفي مائنا ماء، وفي نَفَسِنا من أنفاس، وإلا سنعود إلى تاريخ كُلّ الحضارات والأعراق واللغات، لنرى هل ثمَّة من ما زال هو نفسه، بنفس ما يتوهَّمُه من أصل، أو يعتبر هذا الأصل هو حقيقة وجوده على الأرض.
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending