
كثيرةٌ هي النِّزاعاتُ التي تنشأ عن سوء فَهْمٍ، وكثيرةٌ هي الخلافات التي لا يُرْضِي النِّقاش والرأي فيها طرفاً من الأطراف، فََيَحْتَدِمُ الخِلاف، ويكبُر، وتنشأ عنه أحقادٌ تتحوَّل إلى حربٍ ونزاع دائمين، حين تحفُر في تُرْبَتِهما، تَجِدُه خلافاً في الرأي والموقف، وليس اسْتِهانَةً أو مَسّاً بالعِرْض، أو ضرباً وجُرْحاً، بقدر ما كان نقاشاً، بدل أن يقُوم على الاختلاف، أصبح خِلافاً، لِتَترتَّب عنه نتائج وخيمَة، فيها قطيعَة، بل وفيها استهانة طرَفٍ بِطَرَفٍ، والتَّشْهير به، أو النَّظَر إليه باعتباره شَرّاً، بَتْرُه يُخْلِي الطَّريقَ للخير !السبب في مثل هذه الخِلافات التَّافِهَة والصغيرة، وهذه الحُروب التي تُشْبِه حرب البسوس والخَزْرَج، في السِّياسة، وفي الثَّقافة، وفي الإعلام، وفي الندوات واللِّقاءات، وفي حوارات الرأي، هو سوء التربيَّة على ثقافة الاختلاف التي كانت، دائماً، طريقةً في تطوُّر الرأي، وفي فهم أفكار الآخرين واستيعابها، حتَّى ونحن لا نَتَّفِق معها، وفي وُضُوح الرؤية، وفي فهمنا ومعرفتنا لمن نُحاوِرُه، وفي فهمه ومعرفته لنا.
سوء التربيَّة، هذا، هو نفسُه سوء الثَّقافة. في السِّياسة، مثلاً، الاختلاف هو السَّببُ في ظهور الأحزاب وكَثْرَتِها، والاختلاف يكون في التَّوجُّه، وفي الموقف، وفي الرُّؤية، وفي المبدإ، وما يتبنَّاه هذا الحزب، أو هذه الجماعة من برامج، قياساً بغيرها ممن لهم رؤيتهم، ولهُم برنامجُهُم، والنِّقاش يكون دِفاع كُلّ طرفٍ عن اختياراته، وعن موقفه السِّياسيّ، دون القَصْد إلى إلغاء الآخر، أو إلى ابْتِذال موقفه ورأيه، وما عنده من أفكار، وإلا كُنَّا، ونحن ندَّعِي التعدُّديَّة والاختلاف، نُكَرِّس الرأي الواحِد، والموقف الواحِد، والحزب الواحِد، وهذا فيه افتراءٌ، واستبداد بالرأي والفِكْر، ونبذ لحرية الاختيار، بما في ذلك الانتخاب أو الانتماء، وفيه ميْل صريح إلى الفِكْر الشُّمُولِيّ المُنْغَلِق.
أمَّا في الثَّقافة، فالخِلافُ، هو ما ينُوبُ على الاختلاف، وكثيرٌ مما هو حرب ونزاع، ومِمَّا هو شنآنٌ، سببُه النِّقاش، وقَمْع النَّقْد، واحترام رأي الكاتب، أو النَّاقِد، أو المتكلم، الذي نعتبره يمسُّ الشخص، وننسى أنَّ الأمر يتعلَّق بالنَّص، بالفِكْرَة، وبما يُقال أو يُكْتَب. وفي هذا المعنى، لا بُدّ أن نَسْتَحْضِرَ ردّ ميشيل فوكو دعوةَ موريس بلانشو إلى العشاء، كتقدير وإجلال، بدعوى «أنَّه يعرف النَّصّ ولا داعِيَ للشَّخْص» أي إلى معرفة المُؤلِّف أو الإنسان.
قد يكون في هذا نوعاً من الغُلُوّ، فالعلاقات الإنسانيَّة بين الكُتَّاب والمفكرين والمبدعين لها مكانتها الجيِّدَة والمُؤَثِّرَة، لكن النَّازِلَة، دلالتُها فيها تعبير عن أهميَّة الأفكار، والأسئلة، والكتابات، وهي ما علينا الذَّهاب إليه، لا أن نمسّ الشخص، ونستهين به، فقط، لأنَّه ليس نحنُ، ولا يقول ما نقول، أو هو مُنْشَقٌّ عَنَّا فِكْراً ونظراً، وله رأيٌ يُجافِي رأينا، وينقده.
وهذا ما نراه ونسمعه في وسائل الإعلام، في برامج لا تستحقُّ أن نُضَيِّعَ الوقت في مُشاهدتها، لأنَّها تُشْبِه قِتال الدِّيََكَة، أو هي حَلْبَة مُصارَعة، أو ملاكمة، كُلّ واحد يسعى إلى الإجهاز على الآخر بالضَّرْبَة القاضية.
سوء التربيَّة، هو نفسُه سوء الثَّقافة، وسوء التَّكوين، والسَّبَبُ يعود إلى المدرسة والجامعة لانعدام الرأيّ والنقد فيهما، ولانعدام النِّقاش الحُرّ، والإيمان بوجود أكثر من رأي، وأكثر من فِكْرَة، وأكثر من سؤال، وأكثر من قضيًّة، وأكثر من إشكال وحُجَّة أو بُرْهان.
اترك تعليقاً