مقتطف من الرواية:
“خلال ثوان من الشرود الذهني، تطلّع إليها وليد بهيئة متسائلة ومنتبّهة. عادت إلى نفسها مشوّشة ومتضايقة. سألها عندئذ بصورة غير منتظرة:
ـ هل لك أن تحكي لي حكاية، من فضلك؟
اندهشت للغاية حتى انفجرت ضاحكة. كيف تسنّى له أن يخمّن نزوعها إلى الحكي؟ اجتاحتها، من جديد، رغبة هائجة في تقبيله. برقّة، قادها إلى شجرة لا تبدو أنّها نبتت إلاّ لأجلهما فروت له حكاية تريسياس في بلاد الأرز:
وصل تريسياس، بالصدفة تقريبا، إلى تخوم بلد جديد، مجهول، والذي لم يكن متيقّنا من رغبته في دخوله. تردّد مستشعرا أنّ هذه الأرض، الخاضعة لقواعد ولمبادئ متحضّرة في الظّاهر، تخفي عادات وردّات فعل متوحّشة، أقرب إلى البدائيين. كانت السّاكنة تتكلّم لهجة غير مفهومة، غير أنّ مشارف البلد بدت أكثر جاذبية حتى وإن كانت أشجار أرز عظيمة، ذات ظلال متجهّمة تطوّق هذه الأرض بحدود شرسة.
في يوم مقدمه، أقيم احتفال كبير. موسيقى، رقص، كرم ضيافة. كلّ شيء كان يخلبه. السكّان الدّمثون والأسخياء، أظهروا له أمارات تحبّب مؤثّرة. بقلب مفعم بفرحة داخلية عميقة، أحسّ تريسياس أخيرا أنّه يعيش في تناغم مع السّماء المضاءة بالنّجوم، مع النّقاوة الشفّافة للهواء، مع العطر الدّافيء للنّباتات ذات الشّذى. قُدّمت للضيوف وجبة طعام. بطيب خاطر، جلس تريسياس إلى المائدة وشارك في المأدبة…
مع ذلك، فإنّ ذعرا أصمّ ابتعد به ومنعه من تذوّق لذّة الأطباق بصورة كاملة. لقد خبر المواجع، المخاوف، الخيبات إلى حدّ كبير بحيث جعلته محترسا، قائلا في نفسه إنّ القدر، المتأهّب على الدّوام، مستعدّ أن يهزأ من الجميع.
بغتة، خالجه شعور أنّ شيئا ما تعلّق به وسعى أن يجذبه إلى الوراء. بهدوء، حتى لا يوقظ فضول الضيوف الذين يترصّدونه بأطراف أعينهم، التفت ورأى ثنية من ثوبه قد احتجزها غصن عجيب. كان منبثقا من شجرة أرز عظيمة بزغت، على ما يظهر، من لا مكان مع أنّها قريبة للغاية. انتابه خوف. «من أين خرجت شجرة الأرز هذه؟» تساءل في سرّه، مدركا فجأة أنّه نسي أنّ الحفلة تُقام على أطراف الغابة. مع ذلك، لم يحس، كما لم ير إلى أيّ حدّ كان قربها منه شديدا. «أتكون قد اقتربت؟» فضّل عدم الجواب على تساؤل مروّع بهذا القدر.
كان التلامس مع الغصن له تأثير سحري. أحسّ تريسياس بنفسه منزعجا، مقتلعا من زمرة المدعوّين. حلم، وهم؟ كلاّ ! كان بالفعل حاضرا هنا… نظر الآخرون إليه دون أن يفهموا أنّه سبق إقصاؤهم من هذا الشعور الفاتن الذي جعله يومض ويتوهّج. حاول أن ينهض ويعانق هذا الغصن ذا القوى السحرية البالغة دون أن يدري لماذا هو، بكلّ كيانه الروحي، أمكنه أن يستميله تلامس مع نبتة. مع ذلك، علم أنّ تواطؤا مذهلا كان بصدد التخلّق بينهما. مفتونا، مسحورا، ما كان يستطيع أن يمنع نفسه من الخوف. عالم عجيب، لكنّه مراوغ وخطير، كان حاضرا هنا ويراقبه… مصيدة؟ روح شّريرة؟ حاول أن يشرح لنفسه ما كان يشعر به: الكلمات لاذت بالفرار.
خالجه شعور أنّ امرأة فوضوية تسكن هذه الشجرة. كان يحسّ بها مثارة وباردة المشاعر في الآن نفسه. كان يودّ أن يكلّمها لكنّه كبح ذلك: أن يتوجّه بالكلام إلى شجرة سيصيّره مجنونا في أعين الحاضرين الذين كانوا يواصلون مراقبته.
كان الوحيد، على ما يبدو، من ميّز حضور هذه المرأة المخيفة، الفتّانة. دنا من المدعوّين الآخرين، سكنه هلع وغبطة متعذّرا الوصف. أدرك أنّ عليه التوجّه نحوها مع عدم العلم بكيفية الوصول إلى من كانت تمنح نفسها وتتملّص هاربة، من كانت تتواصل في الصّمت وفي المجرّد. شعر بها في كلّ مكان حوله وفيه مع أنّها لم تكن تُرى مطلقا في أيّ مكان. يداه العمياوتان، الخرقاوتان حاولتا ملامسة الغصن، بلا جدوى. أيقن أنّ السعادة التي طالما بحث عنها كانت تختبئ هنا.
ما إن انتهى الطعام، لم يبق لتريسياس سوى اندفاعة واحدة: أن يلتجئ سريعا إلى فضاء مغلق، واق. لم ينجح إلاّ بمشقّة في تخليص ثوبه من إمساك الغصن به. بينما كان يحاول أن ينتزع نفسه من هذه الآصرة غير العدوانية كثيرا رأى، مندهشا، أنّ الحاضرين كانوا يتابعون عناءه بابتسامة متسليّة كما لو أنّ هؤلاء جميعا، إلاّ هو، يعرفون سرّ هذا التعلّق الكاسح.
ما إن ظلّ وحيدا، وإذ هو يخال أنّه وجد السّكينة أخيرا، أصابه أرق ثقيل على تخوم غربته. أيّة حيّات أخريات كانت تتربّص به في الأفق؟ تاق إلى السّفر، إلى الرّحيل الكبير.
بين اليقظة والنّوم، استعادت ذاكرته الكلمات الهازئة، القاسية، تلك التي طردته من مدينته وأجبرته على ذرع الطرقات… فجأة، أدرك أنّ مجيئه إلى هذه الأرض الغريبة لم يكن عرضيا، أنّ جذوره تشابكت مع جذور الغابة جدّ القريبة، الصامتة والخفيّة، أنّها كانت ملاذه، مقصده الذي طالما كان يرتجيه.
ثمّ لمحها، لا، خمّن وجودها. حتى قبل أن ينهض، علم أنّ هذا «الشيء» سيزجّ به في مسعى مسعور ومفترس بحثا عن المطلق الذي سيتواصل إلى ما بعد الموت. ليطمئن نفسه، قال في سرّه أنْ ليس لها من وجود، أنّها ليست سوى ثمرة خياله المريض. نادته.
من دون ضجّة، انسلّ من كوّة في الجدار واختفى. في الغد، لا أحد قلق لغيابه، الجميع كان يعلم أنّه توارى من عالم الظّاهر وإلى الأبد…”
بقلم: إسماعيل أزيات
اترك تعليقاً