
آن لها أن تقاوم وطأة الشعور بالوحدة وقد بدأ الملل يدبّ إلى حياتها بعد أن رحل الجميع عن البيت، حتى الزمن صار بطيئا مملا، أما الرغبة في الخروج إلى الشارع، فلم تعد تمكنها منها عضلاتها المترهلة ومفاصلها التي فقدت مرونتها لطول ما ألفت الألمَ المزمن.
رغبة جامحة تستحثها بمقدم هذه الليلة المقمرة لتأخذ نفسا جديدا، وتلقي نظرة إلى الخارج، علها تكتشف تفاصيل أخرى غير التي ألفتها بين جدران شقة تقطنها منذ ثلاثين سنة قابعة في الطابق الأعلى من العمارة.
ما الفائدة من تغيير الشقة، مادام ما حولها تغيّر بشكل ملفت فكل المساحات الخضراء التي كانت تمتد أمامها تحولت إلى عمارات شاهقة، تفصل بينها أزقة وشوارع عريضة تعج بأناس يركضون في كل اتجاه كما لو كان يتعقبهم وحش برّي.
لم يتبقّ لها من تلك الخضرة سوى ما على شرفتها من نباتات تحرص ألا تتركها تذبل، لذلك تواظب على سقيها وتخليصها من الأعشاب الميتة وتشذيبها من الفروع اليابسة، وكلما وجدت أن زهرة تفتحت أو برعما جديدا قد برز غمرتها البهجة.
قد تكون المرة الأولى التي تدخل فيها الشرفة ليلا وتستلقي على الأريكة القصبية العتيقة، بعد الغروب بساعات.
بدت جميع النوافذ المقابلة لشرفتها مضاءة، لم تكن تتخيل أنه يقطنها هذا الكم الهائل من الناس، وأن الليل يعج بالحياة والأحاديث والحركة…
في الطابق الثالث للعمارة المقابلة، عبر نافذة تبدو أنها لمطبخ، تغسل سيدة شابة الأواني بعصبية شديدة، يظهر ذلك من حركاتها السريعة المتوترة، تلتفت بين الحين والآخر، لابد أنها تكلم أحدا لا يظهر، لازالت ترتدي ملابسها كأنها عادت للتو من عملها، تضع الصحون جنبا وتختفي لثوان ثم تعود لتكرار العملية نفسها، تعقبها في تلك اللحظة شاب في مثل عمرها، يظهر أنهما يتجادلان في أمر ما، فجأة ألقت ما بيدها من صحون،ثم اختفت من أمام النافذة ولم تظهر ثانية طيلة تلك الليلة.
لم تستطع منع نفسها من التحديق في كل النوافذ المنزوعة الستائر.
هناك على يمينها وفي الطابق الرابع تحديدا يظهر عجوزان، لاشك أنهما زوجان يعيشان بمفردهما، تدفع السيدة زوجها على كرسي متحرك وهي تدخل غرفة النوم، تزيح الأغطية وتعدل المخدات، تبتسم له من حين لآخر، حركتها بطيئة شيئا ما، تحاول دفع الكرسي المتحرك ليصير محاذيا للفراش، تنحني لمعانقته كي تتمكن من حمله، لابد أنها تحاول تمديده على السرير، لا أحد يعرف ما إن كانت هذه المرة الأولى التي تفشل فيها في حمله، غلبها جسده المشلول ووقعا معا أرضا، كادت تصرخ وهي تشاهد المنظر دون أن تشعر، لكنها تتبعت محاولات السيدة العجوز تنهض وهي تلطم خدها، تحاول وتحاول حتى نجحت في سحبه فوق السرير، جلست قرب قدميه ثم استرسلت في نوبة بكاء، و أطفأت النور بعد دقائق.
بدأت بعض النسمات الباردة تهب على الشرفة و تقرص وجهها لكنها استسلمت للفضول ولحنين السنوات الماضيات وهي ترى عبر نافذة غرفة أخرى، طفلين صغيرين وقد بعثرا كل لعبهما فوق البساط وصارا يقذفان بقطع منها في أجواء الغرفة، تعجبت كيف راقها المشهد حتى جعلها تبتسم، تذكرت حين كانت تغضب من أطفالها كلما فعلوا ذلك، أما إذا زارها أحد الأقارب مع أطفاله فتتحول الغرف إلى حلبة من الضوضاء، ضحكت من نفسها وقد غرقت في بحر من الذكريات الجميلة، لم يجعلها تستفيق من شرودها إلا دخول سيدة لابد أنها والدتهما وهي تجمع اللعب بعصبية وتتوعد الطفلين اللذين فرّا هاربين من الغرفة؛ ربما اختبئا في سريريهما، كما كان يفرُّ أطفالها للاختباء خلف ظهر جدّتهم هروبا من العقاب.
بدأ النوم يداعب جفنيها، كادت تقوم لولا أنها سمعت موسيقى صاخبة، تصدر من إحدى شقق الطابق السادس بالعمارة المقابلة؛ بعض الشبان يقهقهون ويرقصون، ويتمايلون في كل اتجاه، لابد أن تناول الكحول قد لعب بأذهانهم.
تساءلت كيف يمكن أن يتقبل باقي الجيران كل ذاك الصخب المزعج دون تدخل؟ وقد كانت تستسمح كل جيرانها وتطلب الإذن منهم كلما احتفلت بمناسبة ما.
شدّها حماسهم و واصلت مراقبة المشهد باهتمام، كانت تظل مستيقظة كلّما كان أحد أبنائها مدعوًّا إلى حفل ما، ولا تذهب للنوم إلى حين عودته.
فجأة انقلب احتفال الشباب إلى شجار، ثم نشب العراك فتبادلوا الضرب واللكم، وقفت مذهولة فإذا بهم يحملون واحدا منهم هو يحاول الإفلات منهم دون جدوى ثم يلقون به عبر النافذة، تهاوى الشاب وسقط جثة هامدة بلا حراك، فجأة التف حوله جمهور من الناس ودماؤه تسيل فوق الرصيف، رفعت عينها إلى النافذة، لاحظت أن بقية الشبان قد اختفوا، خفق قلبها بشدة ولم تدر ما عساها فاعلة.
وصلت الشرطة، أعقبتها سيارة إسعاف، قررت أن تبقى في شقتها وألا تخبر أحدا بما رأت، فلا جهد لديها للدخول في مشاكل كبيرة و لا لزيارة مركز الشرطة في كل مرة احتاجوا لشهادتها.
لم تعرف كيف نزلت أدراج الطوابق الستة، حين وجدت نفسها بين المتجمهرين، يهمس بعضهم لبعض مستغربين متسائلين عن سبب الحادثة.
تقدمت نحو مكان الحادث المحاط بالحواجز، ورجال الأمن يأمرون الناس بالتراجع نحو الخلف.
يئست من المحاولة ثم صعدت إلى شقتها علَّها تخلد للنوم ومحاولة نسيان ما شاهدت، أطفأت مصباح الغرفة و تمددت فوق سريرها، وكلما أغمضت عينيها حضرتها صورة الشاب وهو يرتطم بالرصيف مضمخا بالدماء.
حاصرها الشعور بقلق ممزوج بخوف لم تشعر به من قبل، صارت تتقلب في الفراش،و لأول مرة، منذ أن ظلت وحيدة، شعرت بالخوف، لن تستطيع النوم بمفردها، ومع ذلك لن تتصل بأحد أقاربها في جوف الليل.
لم تدر كيف وجدت نفسها تتخطى الحواجز لتقف خلف أحد ضباط الشرطة وهي تربت على كتفه:
-بُنيّ! بني! لقد شاهدت كل ما حصل.




اترك تعليقاً