
أحمد لمقدم
كاتب وشاعر (المغرب)
تمشي، والظلّ يتخلّق من خطاها، عارية إلا من وجعٍ يُفاخر العدم. تُلقي على الرصيفِ ملامحها القديمة، وتغيبُ في النشيدِ المقطوعِ لمدينةٍ لم يُكمِلها الوقت.
في عينيها، تُومِضُ اللعنةُ كفجرٍ شَرِهٍ، ينحني المساءُ كطفلٍ أضَاعَ يديهِ في الدُّجى. الريحُ، تلك المومسُ العمياء، تلعقُ ضوءها المبتور، ثم تنبحُ على أثرِ الخطواتِ التي لا تعود.
إنها النورُ الذي يحترقُ في غَمضةِ عين، السِّكينُ الذي يغفو في صدرِ الماء، والحبُّ الذي يموتُ من فرطِ البقاء. في أحضانها، تتعانقُ الرغبةُ والفجيعةُ، كجثتينِ تتدفّآنِ في قبرٍ مُوحِل. تموتُ المدنُ على شفتيها كلَّما نطقَتْ باسمها الأول، ذلك الاسمُ الذي انتحرَ على أعتابِ التاريخ، حين انحنى الليلُ ليُرضِعَ القمرَ دَمَهُ الأخير.
هي امرأةٌ تتقاطعُ فيها الأزمنةُ. تفتحُ صدرَها لطيورٍ شريدة، تمتصُّ الغيمَ بنَفَسِها، وتُرضِعُ المطرَ جُنونَها. تضحكُ كأنها الفاجعة، وتبكي كأنها السُّكر. تُرَقِّصُ ظلالَها في بؤرةِ العدم، وتنثرُ أسماءَ العشّاقِ الميّتينَ على أرصفةِ الهاوية.
هي أجملُ الطعونِ التي لا تنزف، وأكثرُ الموتِ حياةً، أكثرُ الحياةِ موتًا، وأكثَرُ الجنونِ صدقًا حينَ ينطقُ الهذيانُ باسمها.
لم تَكنْ سوى شهقةٍ انْفلتتْ من فَمِ الضّوء، فارتجفتِ المَرايا، وانحنتِ الأزمنةُ تحتَ قَدَمَيْها المُجرّدتَيْنِ مِنَ الغُفران. لم تَكُنْ سوى ظلٍّ يَتَفَلَّتُ مِن ذاكرةِ الجُدران. ولا تزالُ تَسكُنُ الأحلامَ كعاصفةٍ أضَاعتِ اسْمَها في مَوجةٍ عابرة.
هيَ المُدنُ حينَ تُصابُ بالعطَش، القصائدُ حينَ تُنزِفُ شَهْوتَها الأخيرة، والمنافذُ التي لا تؤدي إلّا إلى مزيدٍ مِن الضياع.
كفُّها ترتعشُ تحتَ سماءِ الخديعة، تحملُ في راحتِها رمادَ الأزمنةِ المتعبة. تَهْذِي بأسْماءٍ بَاليةٍ، تُعيدُ ترتيبَ الفوضى في رأسِها، تُدحرِجُ وجهَها في الماءِ كقِناعٍ قديم. تسألُ الجُدرانَ المتآكلةَ: “مَنْ أنا؟ وَمَنْ تَرَكَنِي في حَلقِ الذِّكرى كَخنجرٍ يُمْعِنُ فِي نَسيانِي؟”
تَضحَكُ، فَيُصَابُ الصَّمتُ بِالدَّوَار، تَبْكِي، فَيَنْحَنِي المَطَرُ فَوقَ شَعْرِها. تتنفسُ، فَيَتَهَاوَى النُّورُ فِي حَلْقِ اللَّيْلِ. تصمتُ، فَيَرْتَعِدُ الوُجُودُ كَغَرِيبٍ يُلَمْلِمُ صَوتَهُ مِن تَحْتِ الرَّمَادِ.
أيُّ لَعْنَةٍ هَذِه الّتي تُزْهِرُ مِن جُرْحِهَا؟ وأيُّ صَمْتٍ يَتَشَقَّقُ لِيُشَكِّلَ اسْمَهَا مِن جَدارِ النِّسْيَانِ؟
يَتَكَسَّرُ زَجَاجُ المَسَاءِ فِي عَيْنَيْهَا، يُشِيرُ إلَيْهَا الحُلْمُ كَأَنَّهَا خَطِيئَةٌ تَرَكَهَا اللهُ تَحْتَ وَبَاءِ الجَمَالِ. تسيرُ، وظلُّها يتبخّرُ كأنفاسِ مَن أحبُّوهَا وماتوا. تحملُ على كتفيها وطنًا ضاعَ بين حلمٍ قديمٍ وأغنيةٍ لم تُكتبْ بعدُ.
هي تاريخُ السُّقُوطِ المَجِيد، المَرْثِيَّةُ الَّتي أَنْكَرَهَا الرُّوَاةُ، ورمادُ القُبَلِ التي نَسِيَتْ مَن أَشْعَلَهَا!
في دَمِهَا تَتَشَعَّبُ الطُّرُقُ كَأَسْئِلَةٍ تُفَكِّكُ الوُجُود. تراودُ الليلَ عن جسدِها، فَيَشْرَبُهَا كَنبيذٍ يُمَزِّقُ حَنَاجِرَ القدَرِ. تتكوّرُ في رحمِ اللحظةِ كمجازٍ مفتونٍ بنفيِ نفسه. تلُوكُ الأحرفَ في فمِها كرؤيا مذبوحةٍ، وتصرُخُ بصوتٍ ملؤه الفناء: “كيفَ يكونُ المطلقُ قبرًا لحاضرٍ مشروعٍ بالضياع؟”
ولكن…
لا أحدَ يُجيبُ سوى الهواءِ المُنهَكِ بالذكريات، سوى القمرِ الذي ينحني في جبينِها كمذبَحٍ منطفئ. سوى الطرقِ التي تفتحُ أفواهَها كمجاعةٍ لا تنطفئ، سوى أحلامٍ تتفحّمُ كأصابعَ ملقاةٍ في نارِ التأويل.
إلى أينَ تمضين؟
هل في قاعِ المجاز؟ أم في أعلى حافةِ الهوية؟ أم في تفاصيلِ الشيءِ الذي يُنكرُ نفسه؟
أيُّ عشقٍ ذاكَ الذي يستديرُ في قلبِكِ وينسى طريقه؟
وهي…
وطنٌ ضاعَ بين زفرةِ موتٍ ونبضِ ولادةٍ لن تكتمل!
لم تكن سوى جرحٍ ينزفُ ماءَ القمر، وحدها بقيتْ تُفَكِّكُ أحجيةَ الأبد!
أينَ هي الآن؟ في أيّ مقطعٍ من المساءِ سقطت؟ في أيّ مقبرةٍ نسيَها العشاقُ وأحرقَها الحلمُ؟
لا أحدَ يدري…




اترك تعليقاً