
الشاعر
لحسن أيت بها (المغرب)
تذَكَّرْتُكَ يَا أَبِي
يَا نَهْرًا مُمٌتَدَّا بَيْنَ
الغَرْبِ وَ الشَّرق
يَلتقِي شُعَاعُ الشَّمْس بِظِل
الأَرضِ عْندَ قَبركَ يَا أَبِي
الغَيمُ والشُّعَاعُ والشَّفَق
مَساءٌ حَزِين يزُفُّ فَرحة اللِّقاء
يَمتَدُّ أُغنيَةً فِي المَدى
البَعِيد
بَعِيدًا…
أَبِي هَلْ لِي أَنْ أَمْشِي عَلَى
خُطَاك؟
فِي ذَلكَ الطَّريق المُستقِيم،
للمِنْبرِ وَالصَّلَاة أُلَامِسُ
خَيْطًا رَفِيعًا يَنتَهِي إِلَى الحَق
فِي السَّمَاء
يَدٌ تَلْمِس العُيُون والجُفُون،
غَدِيرُ مَاء ..نَبَات.. أَرْض..
قَفْر..
رَأَيْتُكَ يَا أَبِي بِطَرِيقِ الحَقِّ..!
هَلْ لِي أَنْ أَذْكُرَ فِيكَ
كُلَّ شَيء؟
ولَن أَكون مُنصِفًا فِي تَقْدِيرِ
قِيمَتِك!
أَنْ أَزُفَّ بُشْرَى اللِّقَاء..
بِدُونِك يَا أَعَزَّ النَّاس سَأكُون:
زَوْرَقًا ضَائِعاً بِلَا شِرَاع…
سَأَكُونُ مَلَّاحًا بِلَا
بَوصَلة…
عُلبَة ثِقابٍ مَجهُولَة…
وَبعدَ أَنْ غَادرتَ الحَياة،
سَافرت أَبحَثُ عَن حِكمَة
أَنكِيدو وجَلشَامش..
طُفتُ العَالمَ وغَادرْت
الوَطن
مزَارع الكُّتاب و الفَلاسِفة
بُورصَةُ الفَن…
يَدٌ أَنتَ تُمسِكُنِي أَو سَمَاء…
تُظِلُّنِي
أَرضٌ أَنْتَ تَرعَانِي… أَو قَمرٌ
لَستَ مِثلَ الأَقمَار..
نَهْرٌ بِجَداوِل رَقْرَاقَة تَمْشِي
فِي أَودِيَّة الحَيَاة
وانْتهَى المَسَار عِندمَا شَيَّعنَا
جَسَدك
لَكِنِّي وَدَّعْت الحَياةَ بَعْدَك
وانْتشلتُ نَفسِي مِن ضَياع
إِلَى ضَيَاع
أَبي بَعدكَ الجُدرَان لَم تَعد
جُدران و الأَمطارُ لَم تَعد
أَمطَار
الأحْجَار لَم تَعُد أَحْجَار
والسَّقفُ سَقط والأَعْمدَة
ظَلَّت وَحِيدَة..
وَغَادَرْتُ الحَيَاة أَسِرَّة
القُضبَان..
كُنتُ بالدُّعَاء وتِلاوَة القُرآن
تَقضِي يَومَك
أَمَّا أَنَا فأَرفُل وَأغْرقُ فِي
لَعبِ الأَطفَال
لَكن، سَمِعتُ صَوتكَ فِي
الآفَاق وَلمْ أَكرَه الحَيَاة
صَوتُك يَمخُر عُبابَ الرِّيح،..
لَكنْ لَيسَ لَه قَرَار
وَبعدَكَ سَقطَتِ المُدن
والقِلَاع، والحُصُون…
رُوَيدًا رُوَيدًا
وَكَانَت القُرَى أَحلَامًا وَأَوهَامًا
وشُجُون..
أَيُّهَا الذي زُرْتُ قَبرَهُ وَتذَكَّرْتُ
المَاضِي، وَالوَطَنَ وَمَجْدَه…
نَادَيتُك َياَ أَبِي فَردَّ الصَدأُ
صَوْتِي
ورَأيْت فِي كُلِّ نَاحِيَّة قَبرًا لِي
يَمتَدّ وَيتَّسِع لِي…
يذكرني وأذكره.. يَكُونُنِي
وأكُونُه…
يَا أَبِي
قَبرِي تُرابٌ دَارَيْتُ فِيهِ
ذُنُوبِي.. قِشَّة… رِيشَة مِن
صُوف فِي فَلَاة…
أَنَا الآن وبَعد تَوَالِي السِّنين
شَاهد قَبر مُحطَّم عَلى
وَاجهَاتِ التِّلالْ
أُدَارِي فِيمَا أُدارِي صَمتِي
المَخنُوق
مُنتقِلًا مِن المَاضِي إِلَى
الحَاضر.
الكَلمَاتُ الحزِينَة وَرجْع
الصَّدَى… نَبرَةُ… وَمضَة مِن
ضَوء فِي أَقصَى الأَرْض
حَتَّى الأَرض مُتشوقَة
لِرُؤيَتكَ يَا أَبي
وَكلُّ مرتَفع ورَبوَة وجَبلٍ
ونَاحية، وَمرتفَعٍ عَالٍ ودَانِيَّة..
فأقْرأْ الرِّسالَة والسَّلام عَلَى
الأَيَّام المَاضِية
الرُّسوم المَاثلَة الحَائِلة..
أَبِي تَذكَّرتُكَ وَالدَّمعُ يَسِيل
فَترَة زَمَنٍ لَا تَلْتَقِي إِلَّا عَلَى
نَاصِيَة القَبر
يَقْشَعِر الجَسد مُتذَكِّرًا تِلكَ
الطَّريقَ البَعيدَة الغَابِرَة.
اترك تعليقاً