
تماضر كريم (العراق)
في الحديث عن دوافع الكتابة، لا يتعلق الأمر فقط بسؤال(لماذا نكتب) فهو سؤال أزليٌ لا إجابة محددة له. إن دافعاً من تلك الدوافع صار هو الأكثر تحفيزاً للإبداع ووفرة الانتاج الأدبي، وهو بالتحديد مجال اهتمامي الآن، أنه دافع الفوز بالجوائز الأدبية.
الجوائز بما لها وما عليها ليست موضوعي الشاغل، فقد أُشبعت بحثاً ودراسةً وتقصٍّ من الكثيرين. لكنني أتحدث هنا عن قولبة الموهبة، وأدلجتها وتدجينها، وتكييفها، بحسب متطلبات الجائزة الفلانية، وهل سيكون المنتج بعد تدجينه وقولبته بحسب شروط مسابقة ما، أو توجهات الجهة المنظمة للمسابقة، أو حتى متطلبات واعتبارات لايتم الافصاح عنها بشكل علني، هل سيكون المنتج جيداً ومتميزاً كما لو أنه كُتب من دون أدنى قيد؟
إن الأدباء الذين يُقبلون على الإشتراك في المسابقات يعلمون جيداً ماذا تفضل المؤسسات الأدبية الخليجية مثلا، بالمقارنة مع المسابقات التي تنظمها جهات دينية محلية، حيث يتم الأعلان عنها بين فترة وأخرى مع قائمة شروط على الكاتب أن يراعيها في الكتابة، مقرونة بمبلغ مالي معتبر، هذا فضلا عن مسابقات خاصة، تقوم بتنظيمها بعض الوزارات، أو منتديات المرأة، فضلاً عن المسابقات الدولية الكبرى المشهورة مثل جائزتي نوبل أوالبوكر اللتان يقال فيهما الكثير حول وجود اعتبارات ما للمواضيع التي تتناولها الروايات المرشحة للفوز وكيف أنهما تكرسان خطاً فكرياً أدبياً معيناً يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والجندرية في العالم.
بما إن الكتاب يسعون للجائزة، رغبةً في المال وتعزيز الحضور الأدبي اللافت لذا سوف تكون جميع كتاباتهم على مزاج الجهات التى ترعى المسابقة، فسوف تكون ذات ثيمة أخلاقية اذا كان سيشترك بمسابقة تنظمها جهة دينية ، فيما ستكون ذات أفكار تحررية اذا ما كان يريد لفت الإنتباه الأوروبي أو الأمريكي، بينما يراعي ماذا يفضل الأمراء أو المشايخ إن كانت المسابقة تابعة لإحدى الدول الخليجية، وكذلك بالنسبة الى المسابقات الرسمية الحكومية التي ترعاها الدولة، حيث يجد نفسه مضطراً للكتابة في خطٍّ مهادن.
إن الكتابة التي تخضع لشروط واعتبارات وضوابط حتى لو لم يتم التصريح بها علناً، لكنها موجودة بطريقة ضمنية وغير خافية على أحد هي كتابة تم تكييفها وتفصيل مقاساتها بطريقة تتنافى تماما مع الحرية التي يفترض أن يتمتع بها الكاتب والصدق الفني الذي بغيابه لن تكون هناك نصوص جيدة خالدة. أن هذه الأكوام الهائلة من الأشعار والروايات والقصص والتي يقف خلفها لهاث مسعور خلف الجوائز، حيث سحر الشهرة وبريق الدولارات، ستجد طريقها للنسيان في الزوايا المعتمة لأن خلفها كتّاباً دجّنوا موهبتهم واختاروا أن يغازلوا الجهات المنظمة، بصرف النظر عن الحقيقة، حقيقة ماذا يريد الكاتب قوله حقاً، وما يؤمن به ومايدفعه للكتابة من دون تأثيرات أو قيود، حيث يحلّق مثل طائر حرٍّ غير تابعٍ لأحد أو جهةٍ ما.
إنها على أية حال ليست دعوة لمقاطعة المسابقات بالجملة، إنما هي دعوة لأن يكون الكاتب حراً، يحترم موهبته، ويُقدّس حريته في قول ما يريد، فإن كان قادراً فعلاً على أن يكتب بمعزلٍ عن تأثيرات معينة فما المانع أن يقطف الجوائز المستحقة! أما أن يشرع في كتابة رواية أو قصة أو قصيدة، واضعاً نصب عينية النوع المفضّل لهذه الجهة أو تلك، فإنها تبعية، وأغلال سيكون مضطراً معها الى السير بجانب الجدار وربما حتى الزحف، أملاً بخطف جائزة ما، في مقابل التنازل عن حريته وأصالة موهبته.




اترك تعليقاً