الكاتب: صلاح بوسريف (المغرب)
 
 
تَسْخَرُ الحكومات من الثَّقافة، وتزْدَرِيها، أو تنظُر إليها بعين الارْتِياب، لأنَّ عَيْنَها على المثقفين، ليس كُلّ المثقفين، بل مَنْ مِنْهُم خَارِج سِرْبِها، أو خارِجَ فِكْرها، إذا كان عندها فِكْرٌ، وخارِج رأيها، ولأنَّ المثقَّف الحُرَّ الطَّلِيقَ، من يُحَلِّقُ بِرِيشُه في الرِّيح، له أفكارُه، وله رأيُه، وله سُؤالاته، وما يراه من إشكالات، وأفكار، وقضايا، حين يخوضُ فيها، لا يكون أداةً في يَدِ أيّ كان، لا يُبَرِّر ويُسَوِّغ أفكاراً ليست له، أو أفكاراً مغلوطةً، غير دقيقة، أو فيها تلاعُبات، فقط، ليُظْهِر صَوَابَ السُّلْطَةِ، وهو، في قرارة نفسه يعرف أنها مُخْطِئَة، ومثل هذا المثقف المُبَرِّر والمُسَوِّغ، موجود ومُتاحٌ، وهؤلاء هُم غالبية المثقفين، أو هُم مثقفون مُضَلِّلُون، الثَّقافَةُ عندهم وسيلة، وذريعَة، أو هكذا كانوا في حقيقة أمرهم منذ البداية، فالأصباغ المُزَوَّرَة، حالما تسقط الشمس عليها تذوب، أو تَتَشَقَّقُ، وتفقد لَوْنَها.
 
وحتَّى حين تهتم الحكومات بالثَّقافة، فهي تَفْهَمُ الثَّقافة باعتبارها زينَةً، أو هي أكْسِسْوار، تُكَمِّل بها ديكور المسرحيَّة الكبيرة التي تَلْعَبُها على خَشَبَة بِلا جمهور، لأنَّ جمهورَها منها، من هؤلاء الذين يُرتِّبُون لها الخشبة، ويكتبون لها النَّصّ، ويُشْرِفُون على الإضاءة، وعلى توزيع الأدوار، ويُحَرِّفُون معنى الثقافة، بتحويلها إلى تَجَمْهُر فيه حَشْدٌ من النَّاس، لوقتٍ من الأوقات، وحالما يَنْتَهِي وقت المسرحيَّة، وينفضُّ الحَشْد، لا شيء يبقى، ولا أثَر يكون، ويعُود الوضع إلى ما كان عليه، أو أسوأ مما كان عليه.
 
الثَّقافة ليست فُرْصَةً، أو لَـحْظَةً، أو هي الظُّهُور والبروز، وهي انتقاء واختيارٌ، الثَّقَافَة مشروعٌ، وأُفق، وهي انْشِغالٌ بالواقع، وبمشكلات الواقع، رغم ما يكون من اختلاف في الرؤية، وفي طريقة القراء والتحليل، وهي انخراطٌ فِكْرِيّ في السُّؤال الذي يكون مفتوحاً على كُلّ الاحتمالات، وهي النقد، والتفكيك، والتدقيق، والمُراجعة، وأيضاً نقد الذات، سواء أكانت الذَّات فرداً، أو هي المجتمع، وهي سياسة الحزب، أو الحكومة، أو الدولة في اختياراتها، وما عندها من قَناعاتٍ، وهي المثقف الذي لا يكون تابِعاً لأيّ كان، أو داخِل جُبَّة جِهَة، أو مُؤسَّسَة، حتَّى وهو يعمل فيها، أو معها، فهو لا يتنازل عن فِكْرِه وقناعاته، ولا يكون هُناك بلون، وهُنا يُغَيِّر صباغَتَه مثل الحِرْباء التي لا لون لها، إلا ما تَـجْثُو عليه من ألوانٍ، تَنْكَمِش داخِلَها لِتَتَخفَّى بها، ولِكُلّ خُطْوَة لَوْنُها!
 
الوضع الثَّقافي، عندنا، وفي واقعنا العربيّ عُموماً، وفي واقعنا المغربِيّ الراهن، هو واقع مثقفين بدون لون، بل كُلّ الألوان تَسَعُهُم، أو يَتِّسِعُون لكُلّ الألوان، هُم فضْفَاضُون، لا تسمع لهُم رأياً في قضيَّة وطنية، ولا في قضايا عربيَّة، ولا في نارٍ تشتعل في الهَشِيم، ولا في رَمادٍ لم يُبْقِ ولَمْ يَذَرِ، وما يكتبونه، ويقولونه خارِجَ هذا الذي لا يعنيهم من نارٍ ورمادٍ، لا تستطيع أن تفهم ما يقُولونه، أو يكتبونه، ولا ما يذهبون إليه، لأنَّهُم يلْعَبُون على كُلّ الحبال، ولا يرغبون في خسارة مواقعهم التي ظنُّوا أنَّها ما صَبَوْا أو سَعَوْا إليه في كُلّ ما بلغُوه من أرْذَل العُمُر، وأرذل الفِكْر والوعي، وأرذل الاختيار والانتماء.
 
وإذن، فالثَّقافة، ستبقى هي المَوَاسِم، وهي المعارض، وهي المهرجانات، والاستعراضات، وهي الفُرَص، وهي الفنادق الكبرى التي تجري فيها اللِّقاءات، بعيداً عن الفضاءات العامَّة التي كان سقراط واعياً بخطرها، فنزل يُخَاطِبُ فيها الشبان، قبل أن يُغْلِق أفلاطون على نفسه، وعلى هؤلاء معه في «الأكاديمية» التي تركت الشارع، والمدينة، وانْزَوَتْ داخِل ما لا أثر، ولا تأثير له في أيّ كان. كما ستبقى الثقافة هي الفلكلور، والفُرْجَة، وهي التَّنّميط، والتَّمّطيط، واجترار نفس الفِكْر، والوعي، ونفس اللغة، ونفس الأسئلة، حتَّى الماضي الذي طالما انتقدناه، أو انتقده من سبقنا، لم نَبْلُغ ما كان فيه من أفكار، وأسئلة، وقضايا، وأقصى ما نبلُغُه، هو أن نعود إلى الماضي نَـجْتَرُّه، بِجَهْلِه، فقط، لنهرب من حقيقة ما تعكسه المرآة من أقنعة، صارت هي وُجُوهُنا، بِكُلّ ما تمتاز به من تحريف، وتشويه، وتزوير، وتواطؤ، وتحالُف، وتآمُر، وتسويغ للإخفاقات، والهزائم، في مُقابل المُقاومات، حتَّى لا يبدو هذا المثقف الفَضْفَاضُ بما في رأسه من حقيقة، هِيَ هُوَ، بِكُلّ التَّشَوُّهات التي لن يُخْفِيها التاريخ، فهو غربال شديد الفَحْص والتَّمْحيص.
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending