
عبد الرحمان زيطان (المغرب)
يوم أمس وأنا أمارس حصة المشي الاعتيادية، أطوي الشارع العام في اتجاه أطراف المدينة، أثار انتباهي على ناصية الطريق، مشهد من مسرحية العبث في زمن الهشاشة واللامعنى.
تلميذان في عمر الزهور يبدو أنهما معنيان باجتياز امتحان إشهادي تلوح أطيافه في أفق الأيام القليلة المقبلة. يقتعدان كرسيا خشبيا عريضا مغروسا على ناصية الطريق. يشتغلان في حالة من الانهماك. قص و لصق وترتيب لوريقات نسخت بعناية وكتبت رقميا بخط دقيق بدرجات غاية في الصغر. إنها ورشة عمل ميدانية من أجل انتاج عدة ما استطاعت له سبيلا من معينات يواجه بها المترشحون أخطبوط الامتحان الذي فيه يعز المرء أو يهان.
هي طريقة تقليدية طبعا في الغش وقد اشتغل عقل الوسطاء المحترفين في تطوير طرق جديدة بأدوات متطورة ووضعوها رهن الإشارة لمن يستطيع الدفع أكثر، وفي خدمة جنود المستقبل لتحسين مسارهم الدراسي وتجاوز العقبات الصلبة في زمن لم تعد الوسيلة توضع في الميزان بقدر ما توضع النتائج بقيمها الاجتماعية والفردية الجديدة. النتيجة تبرر الوسيلة كما قيل عند الميكيافيلية. والغاية هي النجاح .والنجاح والتفوق بدلالتهما الاجتماعية أصبحا قيمة القيم.
ما أثارني بالفعل هو اعتيادية المشهد في هذا الموقع بالذات، أمام العابرين، وفي وقت الذروة. الكل يشاهد، يرى ولا يبصر، ويواصل مروره. يبدو أنه أصبح من مشاهد العبث التي تملأ حياتنا اليومية. وأصبحت أحاسيسنا تجاهها بليدة متبلدة بلا أثر.
مشهد الإعداد للغش في فترة الامتحانات بات مثله مثل مشاهد القتل والإبادة التي لم تعد تثير فينا بصيرتنا. مثل مشاهد التسول والابتزاز العاطفي بواسطة الإعاقة أو المرض أو الأبناء أو ما إلى ذلك. مثل مشاهد الانحراف والجنوح المتعددة الأشكال. كلها مظاهر لحقيقة واحدة هي هشاشة المعنى في واقعنا الاجتماعي المعاصر الذي يزكي عبارة “الغاية تبرر الوسيلة”.
ظاهرة الغش في الامتحانات الإشهادية لم تعد من الأفعال المشينة المحرمة اجتماعيا. الإعداد للغش يتم داخل كثير من البيوت وتحت عيون الكثير من الآباء والأمهات، وفي محلات النسخ تحت عيون الجميع. وأصبحت طرق الغش مدعاة للتباهي والتنابز والتذاكي. وألصقت بالذي يساعد على حصولها صفة “ولد الناس” بما تحمل العبارة من دلالات اجتماعية. وأصبح كثير من إعلاميي الشارع المسترزقين من الإثارة يتخذون منها مادة إعلامية عن طريق مقابلات تدعم الغش وتزكيه.
لا شك أن محاربة هذه الظاهرة المعقدة معقدة. وهي ظاهرة اجتماعية يتحمل فيها الجميع قسطا من المسؤولية. فالمدرسة مطالبة بإعادة النظر في طبيعة هذه الامتحانات التي مازالت تجعل من البضاعة المعرفية المنقولة مادة للاسترجاع في كثير من الشعب والمواد الدراسية. والأسرة مطالبة بتحصين المسار الدراسي لأبنائها، لأن الغش لا يسهم في ارتقائهم ولكن فقط يؤجل موعد مغادرتهم منظومة التربية والتكوين وبأكبر الخسائر. والسلطات العمومية المعنية مطالبة بتجريم كل أشكال المساعدة على الغش.
إن الطفل الذي يساعده المجتمع اليوم على التطبيع مع الغش مهما كانت أشكاله ومجالاته، هو نفس الطفل الذي سيصبح غدا مواطنا وقد تشرب قيما اجتماعية في النجاح والتفوق والكسب مرتبطة في مجملها بعبارة الغاية تبرر الوسيلة، في حياته الخاصة والعامة، في البيت، كما في علاقاته الأسرية والاجتماعية كما في مقر العمل، كما في الشارع وفي الشأن العمومي.




اترك تعليقاً