الكاتب: صلاح عبدالحميد (مصر)
 
 
السعادة.. تلك اللحظة التي نخطفها من الزّمن، نعيشها بعمق، ثم ما تلبث أن تتلاشى، كأنها ضوء شاحب في نهاية نفق طويل. لماذا لا نستطيع الاحتفاظ بها؟ لماذا تبدو لنا كطيف عابر، يأتي بسرعة، ويختفي بسرعة أكبر؟ هل المشكلة فينا؟ أم في الزمن؟ أم في طبيعة السعادة ذاتها؟
إذا عدت بذاكرتك إلى أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالسعادة، ستجدها غالبًا لحظات محددة، قصيرة، ربما كانت لقاءً، خبرًا سعيدًا، أو حتى لحظة تأمل في منظر طبيعي ساحر. لكنها لم تدم، لم تستمر. حتى حين ظننت أنها سترافقك طويلًا، خذلتك.. أو ربما أنت الذي خذلتها. لماذا؟ لأن الزمن لا يملك رحمة لمن يحاول الإمساك بالسعادة وكأنها ملك شخصي.
 
المشكلة ليست فقط في أن الزمن يتحرك دائمًا، بل في أننا نحن أيضًا نتحرك داخله. نحن لسنا كائنات ثابتة، نحن نتغير، ووعينا يتغير، وأحلامنا تتغير. السعادة التي كانت تكفيك منذ خمس سنوات، ربما لم تعد تكفيك اليوم. وربما السعادة التي تبحث عنها اليوم، ستبدو لك تافهة في المستقبل. الزمن يغيرنا، وفي تغييره لنا يسرق قدرتنا على الاحتفاظ بالسعادة.
 
هناك مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا.. وهي أن عقولنا لا تملك القدرة على البقاء في لحظة واحدة. نحن نعيش بين الماضي والمستقبل، نحمل ذكرياتنا كعبء أو ككنز، ونخاف مما سيأتي أو ننتظره بشغف. هل فكرت يومًا في أن السعادة قد تكون مجرد لحظة يعيشها من يستطيع إيقاف الزمن داخل رأسه؟ أن تكون سعيدًا يعني أن تتوقف عن التفكير في الأمس والغد، أن تكون في “الآن“، بكل ما فيها. لكن من يستطيع فعل ذلك؟ نحن محكومون بالزمن، (ومحكومون بتذكر الماضي والتخطيط للمستقبل)، وهذا يجعل السعادة لحظة قصيرة جدًا، نحياها ثم نهرب منها، كأننا نخشى أن تحرقنا بنورها.
 
ثم هناك مسألة الاعتياد.. نحن كائنات تعتاد بسرعة. لو حصلت على مليون دولار اليوم، ستشعر بسعادة طاغية. لكن ماذا عن الغد؟ بعد أسبوع؟ بعد شهر؟ ستصبح المليون مجرد رقم في حسابك، وسيبحث عقلك عن شيء جديد ليشعر بالسعادة من أجله. هذه طبيعتنا، وهذا ما يجعل السعادة دائمًا شيئًا مؤقتًا. إن لم تتغير الظروف، يتغير إحساسك بها.
 
المفارقة الكبرى أنّ من يسعون وراء السعادة بجنون هم أكثر النّاس تعاسة. لماذا؟ لأنهم يطاردون شيئًا لا يمكن الإمساك به. السعادة ليست شيئًا ثابتًا، ليست كائنًا يمكنك وضعه في صندوق، وفتحه متى أردت. إنها مثل النسيم، تشعر به لكنه لا يُمسك. وكلما حاولت الإمساك بها، ابتعدت عنك أكثر.
 
لكن هل هذا يعني أننا محكومون بالتعاسة؟ لا، على العكس. لو فهمت طبيعة السّعادة، لو قبلت أنها ليست دائمة، ستتوقف عن مطاردتها بجنون، وستبدأ في تذوقها حين تأتيك، حتى لو للحظات قصيرة. المشكلة ليست في أن السعادة تزول، بل في أننا نظن أنها يجب أن تبقى. لو غيرت هذه الفكرة في عقلك، ستجد أن السعادة موجودة في أماكن لم تكن تلاحظها من قبل. في لحظة ضحك صادقة، في كوب قهوة في صباح هادئ، في كلمة طيبة من شخص تحبه. لكنها لا تبقى، كما لا يبقى شيء في هذا العالم.
 
وهناك حقيقة أخرى أكثر غرابة.. ربما لو استمرت السعادة طويلاً، لما عدنا نشعر بها. تخيل لو كنت سعيدًا طوال الوقت، بلا توقف، هل ستظل تسمي ذلك سعادة؟ أم ستصبح مجرد حالة عادية؟ نحن نحتاج الحزن لنشعر بالسعادة، نحتاج الغياب لنقدّر الحضور، نحتاج الألم لنفهم معنى اللذة. هذه هي المعضلة، وهذا هو السر.
 
الزّمن لا يسمح للسّعادة بالبقاء، لكنه يمنحنا القدرة على خلقها مرة بعد مرة، في كل يوم، في كل تجربة جديدة، في كل لحظة نعيشها بصدق.
ربما هذا هو التحدي الحقيقي: أن نقبل أن السعادة ليست محطة نصل إليها ونبقى فيها، بل هي لحظات نلتقطها، ونتركها تذهب، ونحن نبتسم…
وهذه هي الحياة يا أصدقائي…!
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending