الكاتب: رحيم جماعي (تونس)
 
 
(1)
عادة ما يبدأُ سكّان الأرض، هؤلاء الآدميّن طبعا، مراسيلهم ولقاءاتهم بالسّلام، لكنّني في السّنوات الأخيرة، وأنا أتقدّم في السّنّ والخوف والهزائم، أصبحتُ أَحْتَرِسُ كثيرا من لفظة السّلام، أحترس مِنَ النّتيجة الدّمويّة، لِفِعْلِها الإِرْتِداديّ الشّنيع…                                          
السّلام…
هذه الّلفظة المشتهاة لدى العالمِين، لكن كلّما سدّدها أحدهم نحوي، أَيْقَنْتُ أنّه سيفترسُني بشراهة ذئب، على مائدة الفطور…
أو كلّما هَمَمْتُ بتسديدها خصوصا نحو أحبابي، تراجعْتُ مَخافة أن يصيبهم سلامي بِرِيحٍ مشبوهة، تعبثُ بحيواتهم، فتُحوّلُهم إلى كائنات مِنْ قَشٍّ وغُبار…
فباسم لفظة السّلام، باسمها المُفدّى، تُشَنُّ الحروب بلا هوادة، لِتسيل دماء العُزّل والأبرياء، فتنتشر المجاعات والأوبئة، وهكذا تُخَرَّبُ الأرض تخريبا شنيعا ومُتْقنا…
إنّ هذا الآدميّ الحديث، أَوِ المعاصر، أو الجديد، يجتهد بوحشيّة لإفراغ ذاته مِنْ إنسانيّته، ليتسبّب في انقراض الحياة الوحيدة العاقلة (إلى حدّ هذه الّلحظة) في هذه المجرّة…
فَقَدْ كنتُ دائما ومازلتُ على يقين خَفِيّ، بأنّ هناك حياة أخرى خارج الأرض، إِذْ ليس مِنَ المعقول، أنّ كلّ تلك الملايين مِنَ النّجوم والكواكب، خالية تماما مِنِ السّكّان، ودليلي الوحيد على وجود كائنات تسعى حُرّة هناك، أو…هناك، هو تلك الرّسائل الغامضة، الّتي أصغي إليها عندما أكون وحيدا، وأنا عادة ما أكون وحيدا، خصوصا بعد أَنْصاف الّليالي، وعندما أكون (صُحبة أصدقائي)…
إنّها رسائل حسّيّة مُذهلة، تسلب منّي الشّعور بكلّ ما حولي…
ورسائل أخرى صوتيّة نادرة، تهمس بذلك الغموض المُثير، لكنّها لا تقول شيئا، سوى أنّنا لسنا وحدنا، هناك جيران لنا، بعيدون أو قريبون لا يهمّ، المهمّ أنّ لدينا جيرانا عاقلين، وطالما أنّهم عاقلون، فَهُم مسالمون بالفطرة…
إنّني أفكّر بهذا دائما، ولا أبوح به، خوفا من ٱتّهامي بالجنون، فالآخرون، أو معظم الآخرين، لا يفعلون شيئا، سوى توجيه التّهم عشوائيّا إلى الكائنات…
نعم، هذا هو ببساطة شعوري الغامض، الّذي لا يَسْتَنِدُ إلى حقيقة أو دليل، سوى أنّه شعور حادّ، شعور على غاية من الحِدّة، وأنا سأتْبَعُه دائما، لأنّني أحبّ الحياة، الّتي لا يجب أن تَخْلُو من جيران ودودين، قد أُفْلِحُ في العثور بينهم، على أَحِبّة خُلَّص…
أَرَأَيْتِ كَمْ أصبحَ العثور على أحبّة، فوق هذه الأرض العزيزة صعبا، ويكاد يكون مستحيلا، كالإمساك بالرّيح؟
أرأيتِ مَدى التّشوّه الّذي أصاب أعماقي، جَرّاء ٱفتقادي لأحباب صادقين؟
ومع ذلك فإنّ حبّيَ المَرَضيّ لأُمِّنا الأرض، وخوفي المسعور عليها، (مَنْ أنا حتّى أخاف على الأرض؟)، يدفعُني عادة إلى نسيان حَدسي، والكَفّ عن التّفكير المهووس، بما يحدث هناك في السّماوات البعيدة…
إنّ أحبابي القُدامى هنا، على هذه الأرض، وإنّي أخاف عليهم من لفظة السّلام، الّتي انقلبتْ معانيها النّبيلة في هذه الأيّام الكبيسة، ومع ذلك أبدأُ رسالتي بالسّلام، وأقول :
– سلاما سيّدتي الرّائعات في واحدة…
سلاما أو… حَماما.
(2)
أنتِ يا سيّدتي هناك في قلب بيروت، في قلبها تماما…
بيروت – الّتي رغم كلّ شيء-، لم تزل حلما بديعا، يعصف بِأَخْيِلَةِ الّذين تستبدّ بهم دائما رغبات طاحنة، في التّرحال إلى جهات الأرض ومدائنها…
وأنتِ فيها تماما، في بيروت، تستمتعين كطفلة مهذّبة، بذلك الحبّ الطّاغي، الّذي يغمرك بفيْضِه قُرّاؤُكِ المتلهّفون للمزيد من المتعة والفرادة والجنون…
وأنتِ في قلب بيروت، تكتبين عن الحبّ والجنون والثّورة…
الحبّ المُلتهب الّذي شُوِّهَت ملامحه الحُسْنى في هذا الزّمن المتعفّن، فَغَدَا مُرادِفا تماما للكُرْه والحقد والضّغينة، حتّى أنّني أصبحتُ أفكّر هكذا:
عارٌ على القلب أن يهوى أحِبَّتَهُ…
وتكتبين عن الجنون الّذي طوّح بمُعْتَنِقيه بعيدا جدّا، حتّى ضلُّوا سُبُلَ العودة مِنْ حيث أُصيبوا…
الجنون النّبيل الّذي كلّما تدخّلَ في شؤونِهِ العقلُ أَفسَدَهُ…
الجنون الّذي تشابَهَ فيه الجميع، حتّى ساءت أحوالُه وملامحه ومقاصدُه في هذه الأيّام، الّتي طالت أعْناقُها كالسّنوات الكبيسة، فَغَدَا مُعادِلًا تماما للقَرَفِ والشّذوذ…
وتكتبين عن الثّورة المقدّسة الخالدة، الّتي أَباحَها سماسِرَتُها لأعدائها…
إنّني أفهم جرحَكِ الدّامي المُنَدّى، فَقَدْ قدَّمتِ الجزائر العظيمة مليونا ونصف من الشّهداء، وهذا الرّقم المَهُول يكفي، لِنُدْرِكَ مدى قداسة الأوطان، ومع ذلك مازالت الجزائر تدفع الثّمن غاليا جدّا…
أقول هذا وأنا أُصغي إلى كلّ خائن يتباهى معترفًا:
– نعم أنا خائن وقذر، فَلْتَحْيا الخيانة، والمَجْدُ كلّ المجدِ للسّيّدة القذارة.
سلام إذن، على الأوطان المغدورة، وأَيْنما حَلَّتْ خُطى الإنسان النّبيل…
سلام على أوّل الشّمس، تُعَرِّي عورات أبناء الّذين (…)، وأبناء الّلواتي (…)
سلام على الرّيح تعبث بأثوابهم، وتجعلهم كالفضائح…
سلام على الرّجال/ الرّجال…
سلام على النّساء/ النّساء…
سلام على الأطفال سيكبرون، ويستردّون حبيبتهم…
سلام… عليكِ.
(3)
وأنتِ في قلب عروس المدائن، في بيروت…
وأنا هنا، في قلب جنوب تونسيّ، في قلبه تماما…
جنوب لا شيء فيه يبدو حيّا وحقيقيّا، سوى إبنتي وَالْ… موت، وبعض الوجوه البعيدة، (وجهكِ مثلا)…
بعض الوجوه لا تزورني إلّا لِماما، تأتي في شكل أَطْياف عليها علامات التّعب، وعلامات الفقدان لأحبابها…
وجوه أخرى تُطِلّ كأَشْنَعِ ما يكون الحزن، ذلك الحزن الفاخر في قداسته، ذلك الحزن النّبيل…
ثمّ وجوه مُحايِدَة، قامت بدعوتها روحي وذاكرتي، تَعْبُرُ أمامي فلا تلتفت ولا تلقي التّحيّة، كأنّني أيّ (شيء) لا يُثير الإهتمام، أو كأنّني لستُ موجودا أصلا…
أَمّا أحلى الوجوه، أحلاها وأقساها على الإطلاق، هي تلك الّتي تبدو كأطياف حزينة، تَحُومُ كالخيول النّافرة، حول مرابطها الأولى…
وجوه تُخْطِئُها جميع الحواسّ، وحدها الحاسّة السّابعة تدركُها…
وجوه تُومِىءُ من بعيد، ولا تقترب أبدا…
تلك الوجوه العزيزة الغالية، أنا سوّيتُها من طينة الرّوح، ومن ضوئها الأزرق الشّفّاف، ثمّ أطلقتُ سراحها كَيْ تَهيم…
وجوه عديدة تزور وتمضي مثلما جاءت، وتُخلّفني خَلْفَها حُطاما…
لقد أَنْفَقْتُ أكثر من نصف عمري، في انتظار وجوه هَدَّتْها الحوادث والسّنوات، ولا أمل يُرْجى منها، سوى الخراب العميم، الّذي تَدُسُّه في روحي، كما يَدُسُّ الفدائيّ عبوة ناسفة، في سوق شعبيّ مُعادي…
ولا شيء يَسُدُ هنا، سوى إبنتي والموت…
فمنذ أيّام فقط، ودّعتُ بالموت شيخا حكيما، كان يمكن أن يكون صديقي، لو أنّني اقتربتُ منه قليلا فقط…
وها أنا أتحسّس مسامير النّدم، تُدَقُّ في روحي، كأنّني خُنْتُ صاحبا، أو قتلتُ بريئا، أو خنقتُ عصفورا…
عَجَبًا…لقد كَفَفْتُ عن السُّكْر والتّدخين، وتعلّمتُ النّدم…
ومع ذلك مازلتُ حيّا، وهذا ما أُسمّيهِ بِ : قِلّة الأدب، ويسمّيه (الآخرون) بِ: الشّماتة…
أنا كاتب، لكنّني لم أَغْنَمْ من الكتابة سوى النّكد، وقلّة النّوم، والأعصاب النّافرة دوْما، وقليلا من المتعة، وكثيرا من الْ…فَقْر…
لم أغنم من الكتابة سوى محبّة عظيمة، لأصحاب ذائقة موفورة الصّحّة، وعالية الجودة…
كما غنمتُ حقدا ذابحا، لأصحاب ذائقة هابطة، لها طَعم الرّماد، ورائحة المستنقعات…
لم أغنم من الكتابة سوى الأحزان، والحيرات، والشّكّوك والجنون…
ومع ذلك يَسْتَكْثِرُ عليّ بعض (الآخرين)، إقامتي القصيرة على هذه الأرض الّتي أحبّ، ويتوهّمون أنّني أُشَكِّلُ زحمة في هذا الإتّساع الهائل، الّذي تُوفّره لنا أُمُّنا الأرض…
أعلم أنّني مُهِمّ جدّا في حياة الكثير من النّاس، وأعلم أنّني سأكون مُهِمّا جدّا في حياة، سأذهبُ على جناح الكتابة إليهم، أو سيأتون على جناح القراءة إليّ…
كما أعلم أنّني لستُ شيئا يُذْكَر، ولن أكونه أبدا لدى الكثير الكثير من النّاس…
كلّ هذا أعلمه جيّدا، لكنّني لستُ أدري أين الإساءة منّي في كلّ هذا؟!
لماذا هؤلاء الآدميّون لا يكفّون عن الإزدحام، حتّى لا يضيقوا بأنفسهم؟!
لماذا والعالم أوسع مِمّا تراه العيون، وتتصوّره الأخيلة؟!
لماذا نخجل من مَنْحِ بعض السّعادة للآخرين، بالإبتعاد عنهم قليلا؟!
لماذا نُفْرِغُ أماكننا المشتهاة من الهواء النّقيّ، ونَمْلَؤُها بالنّكد؟!
كان يمكن أن نكون سعداء بحقّ، لو أنّنا أخذنا حِصَصَنا من الأرض والحياة، (حصصنا فقط)، وتَرَكْنا حِصَصَ العالمين للعالمين…
كان يمكن ذلك، لو لم نكن جَشِعِين، ومشحونين بالطّمع والنَّهَم.
(4)
سيّدتي الغالية:
أنا كائن لمْ أُدرّب ذاكرتي أبدا على طُرُقات العودة، فكلّ الطّرقات الّتي مشيتُها، قطعتُها إلى آخرها…
كنتُ أقطعُها، حتّى ولو كنتُ على يقين من أنّ الموت كامِنٌ في نهاياتها…
إنّه العناد المُميت الموروث، وهكذا كان أبي…
لكن أحزاني العنيدة، مشدودة عادة بِحَبْلٍ وَثيق إلى الذّكريات…
إنّني أملِكُ ذاكرة قُدَّتْ من أحزان نقيّة خالصة…
وقد كتبتُ منذ أكثر من شهر إلى شاعر تونسيّ صديق، أحدّثه عن جَوادٍ نَحيل، يقف وحيدا في قلب مقبرة صحراويّة قديمة بالجنوب التّونسيّ…
ورغم نُدْرَةِ الخيول هنا، فإنّني منذ أيّام فقط، كنتُ أسعى في أوّل الصّباح، نحو غابة نخيل قريبة…
أسعى حُرّا إلّا من حزني، ومِن رغبات ابنتي المِلْحاحة…
كنتُ أسعى…
حتّى تعثّرَتْ عيناي بجواد حزين، يقف على يمين المَسْلَكِ الرّمليّ، المُؤَدّي إلى اتّساعات الصّحراء…
جواد عربيّ رشيق، وصقيل القامة وجميل، لكنّه مُنَكَّسَ الرّأس، ودامع العينين…
كان يبدو أنّه فَقَدَ الرّغبة حتّى في الحركة، فَقَدْ كان وليمة باذخة للذّباب، الّذي غطّى كلّ هيكله تقريبا، لكنّه لا يَهُشُّ عليه، ولا يفعل شيئا، سوى الوقوف كنخلة ميّتة…
ذابِحٌ حزْنُ الخيول…
قلتُ: ربّما كان (المتنبّي)، يقف هناك محترقا في طموحه القاتل، ومَخْذولا كعادته بِ(سيف الدّولة)، و (كافور الإخشيدي)…
وربّما كان (محمّد شكري)، يَتَلَوَّى من فرط العذاب، الّذي يتكبّده في حُبّ (طنجة) الّتي حَرَمَتْه من التّرحال…
وربّما كان (معين بسيسو)، الّذي قضى عليه حلمه بالحرّيّة…
وربّما كان (ناظم حكمت)، يستشيط شوقا إلى (الأناضول)، بعدما هَدَّه الحرمان، وعذّبته المنافي…
وربّما كان (رضا الجّلالي*)، يتخبّط في نَدَمِه الأكول على مغادرة صاحبه، ورحيله باكرا جدّا عن فواكه الدّنيا…
ولماذا لا تكون (أحلام مستغانمي)، أخذتْ شكل فَرَسٍ حزينة، وقد وقفتْ هناك، تَنُوءُ تحت أحمال (جزائرها) الحُسنى، حتّى نَحُلَتْ روحها الرّهيفة؟
أو (سعاد الشّايب**)، تقاوم ببسالة، حتّى لا تتمكّن من إتلافها المذلّة، وسِياط الفقر الّلاهبة؟
أو (الأمّ تيريزا)، شَعُرَتْ بأنّها لَمْ تقم بواجبها كاملا، تُجاه المسحوقين في الأرض، فظلّت روحها مُعذَّبَة، هائمة على وجهها وتنوح…
أو سيّدة الوَجْد الإنسانيّ على الإطلاق، رفيعة الشّأن والمنزلة، (رابعة العدويّة)، وقد عادت من أجلي أنا لمواساتي، وتدريبي على الصّبر، وتدفئة روحي من بَرْدِها الأزليّ…
 
جَلَّتْ يا روحي مَوَاجِدُكِ…
جلّت نجومك الباهرة في الّليل، وفي منتصف النّهار…
جلّت حتّى خطاياك الصّغيرة…
ولكن رِفْقًا يا مولاتي بِبَيْتِكِ الواهي، هذا الجسد النّحيل: جسدي.
(5)
سيّدتي الفريدة:
هل قلتُ شيئا عن جَوادٍ حزين؟
نعم قلتُ شيئا عن جواد حزين..
نعم ذلك الجواد ذَكَّرَني بِفَرَس كُنّا نملكها قديما…
كنتُ صغيرا…
(لا أَذْكُرُ أنّني كنتُ صغيرا)…
وكانت فَرَسًا عالية التّربية، تِحْني عُنُقَها الطّويل برشاقة مذهلة لِأَمْتطِيها، وأُعيد شاةً شاردة، أو معزاة شقيّة إلى القطيع…
وكان لنا كلب لا مثيل له، يحرس أرضَنا الشّاسعة، الّتي بَدَّدَتْها نزوات أبي، ويحرس حتّى القمح الّذي تُشَمِّسُه أمّي مِنَ الطّيور المُحتالة…
قديما كانت لنا دار طِينيّة، أَتْلَفَتْها الأمطارصيرة العمر الموسميّة، وأتلفها خُلُوّ أركانها مِنْ أنفاس سُكّانها القُدامى، الّذين غادروها نحو العواصم الّلقيطة…
قديما كان لنا ما يكفي لِحِمايتنا مِنْ عَضّات الوقت وغَدْرِه…
والآن، لي ما يكفي مِنَ الأحزان، لِحِمايتي مِنْ غَدْرِ السّعادات النّادرة…
إِذْ كلّما هَبَّتْ على قلبي سعادة قصيرة العمر، (وهي عادة ما تكون قصيرة جدّا)، شعرتُ بالخدعة…
شعرتُ أنّني طُعِنْتُ بسِكّينة انتصار غادر، وَوَتْ روحي من شراسة الألم…
أَرَأَيْتِ كيف أنّ أحزاني مشدودة إلى الذّكريات؟
أعترف يا سيّدتي أنّ هذه الرّسالة، الّتي سأنتهي مِنْ كتابتها بَعد ثلاث فقرات ربّما، رسالة مُرتبكة ومشوّشة، وربّما مشحونة بالهذيان والحُمّى، إِذْ لستُ أدري لماذا أحدّثك عن الخيول الحزينة والهزيلة، والذّكريات الفاجعة !
ربّما شعرتُ كعادتي بأنّني يجب أن أتحدّث إلى أحد ما، لَهُ قُدرة خارقة على احتمالي قليلا، كَيْ لا أُجَنّ، فٱخْترتُ هذه المرّة، أن تكوني أنت (ضحيّتي) الرّائعة، أُسَدِّدُ نحوك بعض همومي، عَلَّني أستريح قليلا فقط…
فقد عَلَّمتني الحوادث، أَلَّا أبوح إلّا لِبِئْرٍ عميقة، أو لكائن عظيم…
وها أنا أفعل ذلك فَحَسْب…
أكتب إليك، أو هذا ما أَتَوَهَّمُه.
(6)
سيّدتي الرّقيقة:
منذ عشر دقائق تقريبا، كنتُ أجلس في أحد المقاهي الرّديئة، إلى جانب كائن رَمْلِيّ بامتياز، يحبّ صحراءه بوحشيّة، يحبّها حدّٱحتباس النّفس…
وأكاد أُجْزِمُ أنّ ما يسري في عروقه دماء من… رِمال…
كان المقهى مُعَفّرًا بالرّمل والغُبار، ومَرْشوشا بالوجوه الكئيبة…
شَكَوْتُ للكائن الرّمليّ حرائقي، وقَرَفي مِن شماتة الطّقس…
قال بِفَخْرٍ كَمَنْ حَقَّق انتصارا ساحقا ومُدَوِّيا بِذَبْحِ حمامة:
– مِيزة الصّحراء الأُولى قَسوتُها.
وقَبْلَ أن أسأله عن كيفيّة افتخار آدميّ عاقل، بالأشياء القاسية، دَفَعَ ثَمَن القهوتين، وغادر المكان كَمُنْتَصِرٍ، مُخَلّفا في ذهني شماتة القحط في السّيّد البحر…
غادر كأنّه يعلم أنّنا نحن أبناء الشّمال، عندما يحارِبُنا الصّيف هنا في الجنوب، لا نستطيع معه شيئا، سوى سَلْخِ جُلودِنا كَيْ لا نُجَنّ…
وذات الفصل الّلعين، يحارِبُنا هناك في الشّمال، فَنَهْزِمُ بِضربة بَحْرٍ بديع…
وعندما يحاربنا الشّتاء هنا، نستقبلُه بالمحبّة ودِفْءِ البيوت والنّزوات…
وذات الفصل الأليف يحاربنا هناك، فنُرْسِلُ له الصّيف من قلب حرائقِنا ونَنْجُو…
أنا مثلا، عندما أشعر أنّ الصّيف يحاربُني وحدي، -وهذا شعوريَ الدّائم-، فإنّني بِوْعي دائما، أن أعتبر عداوَته الخاصّة لي، إعجابا وٱعترافا بالقوّة…
إنّني أفعل هذا، في محاولة يائسة منّي، لِطَرْدِ الهزائم الشّنيعة، الّتي أستسلِمُ لشماتَتِها في النّهاية، كأنّني لمْ أُقاوم عَدُوّا في حياتي…
هذا ما خَلَّفَهُ الكائن الرّمليّ، ذلك السّعيد بصحرائه القاسية…
أمّا أنا، فإنّني لمْ أَسْعَدْ بأيّ مكان…
كلّ الأماكن الّتي أحببتُها، خَبَّأْتُها داخلي ورحلتُ، ولمْ ألتفت خَلفي أبدا، لِئَلّا أُصابَ بالحنين إليها، لأنّني أخاف مِن شيئين:
تدمير الحنين لأعماقي…
وخِذلان الأماكن لقلبي أثناء العودة…
والحقيقة -سيّدتي الغالية-، أنّ ذلك الكائن الرّمليّ، قدِ انْتَزَعَ قليلا مِن إعجابي، (نادرا ما يكون إعجابي بالأشياء كاملا)، بِحُبّه الطّاغي للمكان، فقلتُ مُخْتَلِقًا عُذْرًا يبْدو وجيها:
– لقد نَبَتَ الرّجُل هنا، في الجحيم، ولا حَقّ لي في مُعاتَبَتِه عن وفائه الضّاري لجحيمه.
أمّا أنا الكائن المائي جدّا وبامتياز، فلابُدّ لي -ما دمتُ هنا-، مِنَ البحث عن وقتٍ آخر لهذا المكان، وتحديدا: لهذا الجحيم.
(7)
وقبل أن أنسى، أنا المُصاب بآفة النّسيان الأكول…
قلبي فقط يملك ذاكرة نديّة:
لقد قرأتُ كثيرا عن ذاكرات الأجساد، وعنِ الحواسّ وهي تعزف فوضاها، لكنّني لمْ أنسَ العابرات والعابرين ***
إنّهم يَعْبُرون الأَسِرَّةَ يا سيّدتي…
يعبرونها ثِقالا مِثل غُزاة منتصرين عند الظَّفَرِ بسباياهم…
أو كقُطْعان حيوان النَّوْء، وهي تجوب براري إفريقيا، ولا تُخَلِّف خَلْفَها سوى القحط، وسحابات الغبار والأْتْرِبَة…
وهُنّ أيضا يَعْبُرْن الأسرّة بجوع كافر، وبِعُواء بنات آوى في صحارَى العدم والفراغ…
أمّا ما يُخَلِّفْنَه خَلْفَهُنّ، فَيَكْفي ما يدلّ على بشاعة هذا المعنى:
إنّهُنّ يَعْتَمِدْنَ سياسة الأرض المحروقة…
هذا ما يحدث للذَّوَات الإنسانيّة المُقدّسة…
إنّه عبور مُذِلّ ومُهين، يَكْسِرُ الأرواح الشّفيفة، ويفقدها ملامحها الحُسْنى…
إنّه عبور لا شيء يُشبهُه سوى الإبادة…
إبادة الذّات، وسَحْقِها بِنِعال الإستِهانة والتّحقير…
فإلى أين يمضي هذا الآدميّ الجديد، أو الحديث، أو المعاصر؟
إلى أين يقود رعاياه (رجالا ونساء) مِن أَعْناقِهم، ولا شيء يبدو أَمامه سوى الهاوية؟
الأزمنة الثّلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل)، تُعْجَنُ وتُقادُ كالبهائم، إلى الفراغ والموت، الّذي لا تستحقّه أبدا…
فتصَوَّري إلى أيِّ مَدى غَدَا هذا الآدميّ أعمى…
إنّك -يا رقيقة الّله في الأرض-، تُدركين ولا شكّ، فَداحة هذا السَّلْب الوحشيّ لِقيمة الإنسان، وأَحَقِّيته في العيش الشّرعيّ جدّا، على هذه الأرض الشّرعيّة جدّا جدّا…
وربّما لهذا السّبب تحديدا، إضافة إلى زرع الجمال، تُقاومين هذا الإجتياح بالكتابة، وتفضحين هذا العُبور الشّنيع…
فَلْتَحْيا الكتابة والكتابة والْ… كتابة.
(8)
كاتِبَتي:
إنّني لمْ أَقُلْ كلّ شيء، أو إنّني لم أقل شيئا…
فَقَدْ يكون الشّرود الّذي غَدَا مِيزَتي منذ سنين عديدة…
وقد يكون الهذيان، وحُمّى الرّوح الّتي قُهِرَتْ جَهْرًا وعَلانِيَة تحت الشّمس…
وقد يكون الأمل المغدور، يَئِنُّ أو يعوي على هذه الأوراق…
قد يكون كلّ هذا، وأشياء أخرى لا أَعْلَمُها، لكنّ الّذي أعلمه جيّدا، هو أنّني أردتُ البَوْحَ لا غير، ويبدو أنّني -كعادة الطّاعنين في الفشل الدّائم-، في إصابة مَقاصدي… سلامي إذن، (وَقاكِ الّله شَرَّ السّلام)…
مع الأمنيات بالإقامة الدّائمة في الوردة.
 
___________________________________
 
* (رضا الجّلالي) : مِنْ أَجْوَدِ ما أنجبتْ السّاحة الشّعريّة التّونسيّة، توفّي منذ سنوات إثر مرض مفاجىء.
** (سعاد الشّايب) : شاعرة تونسيّة متميّزة جدّا، وزوجة الكاتب إلى حدود 21 سبتمبر 2005.
*** إشارة إلى ثلاثيّة الكاتبة الكبيرة (أحلام مستغانمي): ذاكرة الجسد/ فوضى الحواسّ/ عابر سرير.
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending