د. عاطف الدرابسة (الأردن)
قلتُ لها:
حينما أتأمَّلُ في عينيكِ يتنازعني خطابانِ: خطابُ الحُبِّ، وخطابُ الكراهيَّةِ. أتساءلُ يا حبيبةُ لماذا تتَّجهُ الدُّولُ المُتجبِّرةُ، والأُممُ المُتَّحدةُ هذه الأيَّامَ إلى وضعِ قوانينَ وعقوباتٍ لكلِّ مَن يتَّخذُ من الكراهيَّةِ خطاباً، أو فعلاً أو سلوكاً ؟ هل تريدُ أن تُعطِّلَ مشاعرَ الكُرهِ عندي ؟ هل تريدُ هذه القوانينُ أن تُصادِرَ حُريَّتي في التَّعبيرِ أو إبداءِ الرَّأي ؟ ألا يَحقُّ لي أن أُمارسَ طقوسَ الكُرهِ لمُغتصِبٍ أو لمُهيمنٍ، أو لمُستبدٍّ أو لمُسيِّطر ؟ لماذا يحِقُّ للقوى المُتجبِّرةِ أن تُمارسَ عليَّ كلَّ أنواعِ الكراهيَّةِ ؟ تصفني مرَّةً بالحيواناتِ الضَّالةِ، ومرَّةً ثانيةً تستبيحُ دمي، ومرَّةً ثالثةً تسمحُ لأعلى سلطةٍ دينيَّةٍ عندها أن تجعلَ قتلي، وتشريدي فرضاً دينيَّاً.
يا حبيبةُ:
دعيني أسألُ عينيكِ، وهي ترى كيف يُحيلونَ الأمكنةَ خراباً، ويُحيلونَ الشَّعبَ شَتاتاً، لا سقفَ له إلَّا السَّماء، ولا أرضَ له إلَّا العراء: هل هذا الخطابُ الذي يُمارسونَه خطابُ محبَّةٍ ؟ لماذا يحِقُّ لهم أن يكرهوا كيفما يريدونَ، وأن يمارسوا طقوسَ الكراهيَّةِ بمختلفٍ الأدواتِ والفنونِ ؟
يا حبيبةُ:
منذُ أن شعرتُ بارتعاشةِ القلمِ، ومنذ أن تعلَّمتُ كيف أفكُّ شيفرةَ الحرفِ وأنا مؤمنٌ بكلِّ الأنبياءِ، وبكلِّ الرُّسلِ، وبكلِّ الكتبِ التي تنزَّلتْ من السَّماءِ: توراةً، وتلموداً، وانجيلاً ومزامير، وقرآناً؛ فما نقدتُ يوماً كتاباً، ولا آمنتُ يوماً بالتَّحريفِ، فكلُّ كتبِ السَّماءِ صادقةٌ، لا يشوبها زيفٌ، ولا يعتوِرها أباطيل .
يا حبيبةُ:
منذُ أن تفتَّحتْ خلايا عقلي، وأنا أسألُ نفسي : من أين جاءت هذه المفاهيمُ: الهُويَّةُ، العِرقُ، الجنسُ، الانتماءُ، اللَّونُ، الدِّينُ ؟ مَنْ الذي جعلها مدارَ بحثٍ وخلافٍ ؟ ومَنْ الذي جذَّرها في السَّرديَّاتِ، والمرويَّاتِ، وأشكالِ الفنون ؟ ومَنْ الذي جعلها مدارَاتٍ سياقيَّةً للأدبِ والرَّسمِ، والسِّينما، والمَسرح ؟ ومَنْ الذي أسهمَ في التَّشجيعِ على نشرِ رواياتٍ، ظاهرُها يُحارَبُ خطابَ الكراهيَّةِ، وباطنُها يُحرِّضُ على الكُره، ويُثيرُ شهوةَ الانقسامِ والاختلافِ ؟
يا حبيبةُ:
هذه المفاهيمُ كالبذورِ الفاسدةِ، لا تنبُتُ إلَّا في تربةٍ مالحةٍ هشَّةٍ، وعالمٍ موبوءٍ، القويُّ فيه يُمارسُ كلَّ طقوسِ الهيمنةِ؛ فيُوظِّفُ أجهزةَ إعلامِه، وانترنته، لفرضِ خطابِه، وقيودِه على الآخرِ الضَّعيفِ، فيسلبُه إرادتَه، ومقدَّراتِه، ويستبيحُ أرضَه، وحجَّتُه في ذلكَ أنَّه يُحاربُ خطابَ الكراهيَّةِ.
هامش: خطابُ الكراهيَّةِ عند الآخرِ المُهيمِن حُريَّةُ رأي، وحُريَّةُ الرَّأي والانتماءِ عند المُستَضعفِين إرهابٌ وكراهيَّةٌ.
يا حبيبةُ:
ما أقسى المفاهيم المُراوِغة..!




اترك تعليقاً