أنا أيضاً .. لا شيء يعجبني (من حسابي القديم)
تتزاحم الأشياء من حولي والغيوم تركض جافلة في سمائي، تبددها خيوط الشمس الدافئة وهي تهرول هاربة، متقطعة الانفاس نحو الافق البعيد.
الهواء راكد بلا حراك قد خفض أحنحته ليستريح من أنفاس العالم المحمومة. أكاد أختنق وهو لا يعبأ بي ولا بامثالي من المأزومين. الهواء لا يشبهنا فهو لا يعبأ بالموت، بل هو والموت يلعبان معنا لعبة الحياة!

تذكرت درويش الذي يخنقني هو الآخر أحياناً بأبياته التي لا أعرف كيف اصنفها، فبعض قصائده تحلق عالياً بشعرية جذلة، وبعضها تجد فيها مسحة من البساطة والحكمة وخلطة من كل شيء إلّا الشعر والهواء! ربما لأنّ الباص الذي أنشد فيه قصيدته التي طيرَّتها الريح في كل الاتجاهات كان مثقلاً و مزدحماً، لذلك صرت أشعر بالاختناق، أو ربما بسبب القصيدة نفسها التي ما فتأتُ أرددها لجمالها الساحر المدهش.
(لا شيء يعجبني)، جعلتني أعيد ترتيب الأشياء من حولي بما فيها قصائد درويش!

درويش الثائر على قبلته ونزوته، بل وعلى أحلامه! فهل رأيتم درويشاً يثور من تكيته وصومعته بعد طول تبتل؟ عن نفسي رأيتُ بعضاً منهم. وأنتم؟ هاتوا حدثوني، هل رأيتم درويشاً يقتل نزواته على مرأى من الناس ومسمع، ويذبح رغباته على الملأ بجسارة وبلا اكتراث؟
لي درويشي الذي يعجبني ولكم درويشكم الذي لا شيء يعجبه فاي الدراويش سيمنحنا من صومعة موت الرغبات مسحة من حياة!!
لا تناقشوني بالشعراء الدهاة فقد قرأت دواوينهم وقلبت أبياتهم وصرت أعرف رغائبهم المخبوءة في قوافيهم المشتهاة.
ها أنا ذا مثله اليوم، لا شيء يعجبني! فهل ستمنحوني ولو زيفاً رتبة درويش أو ناسك وهل ستبنون لي تكية كتكيته؟
ساخترع كذبة – إن كان التزلّف كذبة – كي تحبوني. سأقول بأنّي أحب وجوه السمراوات وتعجبني عيون الحسناوات فهل ستحبوني، أم ستحبون حسناواتي وتنبذونني كما نبذَ الدرويش صحبه وهو يغادر الباص وتركهم يقلبون أبيات قصيدته الرائعة في حافلة تمضي الى مجهول؟!
أنا اليوم كدرويش ثائر على الاشياء، متمرد على الزمن، وضائع وسط ضجيج الكلمات. لا شيء يعجبني.. أرتقب المحطات التي لاتأتي وأركب القطارات المسافرة الى العناوين التائهة فأتيه في زحمة الطرقات.
لاشيء يعجبني.. لا الوجوه المشدوهة إلى المجهول ولا الظلال التي تركض إلى الوراء وأنا أنا لم أزل أحدّق في نافذة القطار لعلّي ألمح بين الحقول التي تركض إلى الخلف ذلك الدرويش الذي غادر الباص يوماً واختفى في زحمة الحضور!
بقلم: علاء أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending