
لست أدري كيف وصلت إلى هناك، أو كيف صرت هناك. فقط هي الأقدار رمتني إلى هناك وكفى. ربما لأنتبه بحزم لما كان علي أن أكترث له بعين الحقيقة المرة وللمرة التي ليس بعدها مرة أخرى. أستطيع أن أقول، إنه برغم فراستي التي لا تخطئ، فقد كان علي أن أميز بشكل حاسم في أرض الأشياء المرعبة الأنذال من الأصفياء، كما ألحت علي يوما ما بائعة الهوى. في البداية كنت كأنني وجدت نفسي ملزما بالهروب من عصابتين غير معروف على ماذا كانتا تتقاتلان. كنت أريد أن أفهم بعض الرهط أن لا شأن لي بما يقع. لكن ولأسباب غامضة لم تتح لي فرصة ذلك. ولا أحد من أفراد العصابتين كان مستعدا لذلك. فالأمر جلل. كر وفر وتربص وترصد وكمائن متبادلة وغاية في الدقة والحساب.. لم أفلت من ذلك إلا عبر عاصفة وحواجز رملية وسيول جرفت الوحل والجمل بما حمل إلى مناطق مستوية شاسعة على أطراف تجمع سكني. ولما ظننت أنني نجوت وجدتني أنتظر صديقا أعرفه لكنه غير واضح المعالم في محطة من محطات المواصلات العصرية. ثم يظهر شخص أعرفه تصحبه زوجته أراد أن يرشدنا جميعا.. في رمشة عين تتغير الاتجاهات ويتحول الهبوط صعودا. وتتداخل الممرات والعلامات. عبثا حاول الشخص الدمث أن يتدخل لتحديد الوجهات. شخص آخر حشر نفسه في أتون ارتباكنا محاولا أن يفهمنا إحاطته التامة بالمكان الذي بدا عليه أنه صار على هيأة إدارية تكدس حولها المسافرون. كل واحد يحمل بيده جواز سفره.
اللعنة، هل إلى هنا وصلنا ونزلنا. هل إلى هنا يسافر من له عقل. من أتى بي إلى هنا. من أتى بنا إلى هنا. سأحاول أن أهدئ من روعي. أن أبدي كثيرا من الثبات. وأتحلى بكثير من الصبر.. بحر هائج وشاطئ صخري رهيب لا وجود للرمل فيه. هناك من كان يمشي على حوافي الأبنية العالية دون أن يسقط. الكل متربص بالكل. الرجال من خبثهم كلهم نحيفو الأجساد. كأن شيئا ما حدد لي المكان الذي عرفته للوهلة الأولى ولمرة واحدة من قبل. سيستطيع أحد العالقين بين الأحجار أن يرتمي مع موجة ليفلت بجلده من بين البحر المتفرد في اضطرامه ولونه. أتوغل أكثر نحو الداخل.. لا شيء يستطيع أن يوقف تلك الفوضى الجهنمية العارمة. كل الوجوه والعيون والأيدي ترمي بشرر. أحدهم بيده ساطور كبير يهدد الواقفين في طابور طويل بباب مستشفى ليس بداخله أحد. أنا الوحيد الذي ألبس ملابس تختلف عن ثيابهم وما يرتدونه. أحاول ان أغطي قميصي الأبيض حتى لا تنتبه لي الجموع الهائجة المستطيرة. أختبئ وراء أحدهم كأني واحد من أهل وعين المكان. فيما رجل آخر في ذهابه وإيابه يهدد الهائمين على وجوههم بالقتل. أتذكر أنني أحمل حافظة نقود. ماذا لو انتبهوا لي ولها. لم يتأخر أن هبط أحدهم من مكان عال ليضع يده على كتفي ماشيا بي لهدفه. تمالكت نفسي وأنا أسايره. حاولت أن أتظاهر بكامل توازني وشجاعتي. أن لا أبدي أي هله أو اضطراب مما يجري. هكذا كأنها أمور عادية في هذه الأرض. وأنني أتفهمه وأتفهم تصرفه، مع حرصي المتيقظ على أن أفلت بلحمي ودمي قبل جلدي ومالي. ابتسم الرجل المجعد الشعر وهو يطلع على نواياي. على القل هو لم يكن يريد إذايتي بدنيا. لم يقل شيئا. أفهمني بالإشارة أن هذه أرض الأشياء المرعبة. وأن البقاع التي تليها هي أرض النوايا المكفهرة التي تموت من غيضها..




اترك تعليقاً