خديجة أجانا (المغرب)

– وتورطت ببساطة..؟

– ورطة العمر… وغرقت إلى أذني في بؤس القرية، وجحيم الزواج من رجل كان أقصى ما يفكر فيه امتلاء بطنه واعتدال مزاجه وإشباع رغباته الحيوانية، وتباهيه بامتلاك امرأة جميلة، تخدمه وتلبي طلباته ولا تفتح فمها بشكوى، ويتصرف في دخلها بكل حرية. فقد كان مفلسا لا يثبت في جيبه درهم واحد، يستدين مبالغ مالية ويتهرب من الدائنين، ويستغل منصبه ويأخذ رشاوى من المدرسين للتستر على تغيبهم أو لنقلهم من الفرعيات إلى المركز، ومن أولياء أمور التلاميذ الذين كانوا يغدقون عليه، رغم فقر معظمهم، بما تجود به أريحيتهم من زيتون وزيت وتين وعنب، وحزمات الكيف / القنب الهندي، وكانت المنطقة معروفة بزراعته والتجارة فيه، وكان يكلف أشخاصا بدقها وغربلتها ودعكها وإعدادها شرائح أو كويرات مخدرة… وكان يحتال وينصب بطرق مختلفة على الغفل، ويصرف ما يحصل عليه على القمار والخمر والمخدرات… وبسط وحيد راحته، فصمتت وغاصت نظراتها، لحظات، في سحر عينيه الدافئتين، ثم قالت:

– هل تريد انتشالي؟

– أريد تهدئتك، أنت ترتعشين…

– من حمى المستنقعات… دفعتني دفعا إلى أغوارها.. لم أكن أرغب في الغوص فيها…

– آسف… لم أتصور أنك تعانين بهذا الحجم.. لو أن أحدا كان أخبرني بهذا ما كنت لأصدقه… ما كنت لأصدق أن خلف هاتين العينين الساحرتين، وهذه الابتسامة المشرقة، يقبع كل هذا الهم والحزن…

– أرغب في التدخين..

– دخني..

– ليس لدي سجائر..

– للأسف، لا أدخن.

– ولا أنا.. لا أدخن إلا الخيبات..

وأخذ يدها دون أن تمانع، وأحست بنوع من الهدوء وهو يعصرها في يده… لكن قصتها كانت قد استهوته فصولها، ولم يستطع كبت فضوله لمعرفة المزيد، فسألها:

– ولم تنتقلي..؟

ضحكت ساخرة وقالت:

– بلى، انتقلت… انتقلت للعيش معه في وكره البئيس، سكنه الإداري، الذي كان مثيرا للاشمئزاز والغثيان، وتحملت مسؤولية إصلاحه وتأثيثه، كما تحملت مسؤوليات جديدة… كنت أجلب الماء من البئر، وأغسل الثياب وأكويها بمكواة تقليدية تسخن على الغاز، وأعجن وأطبخ في الفرن، وأكنس وأنظف، وأخدمه وضيوفه… في حين كان يهرع، بعد العمل، إلى المقهى، أو إلى بيت أحد أصدقائه للسهر وتعاطي الخمرة والمخدرات، ولا يرجع إلى البيت إلا في آخر الليل ليأكل وينام، فيعلو شخيره المزعج الذي كان يحرمني من النوم… كان يسمن وتنفتل عضلاته وتتدلى كرشه، وكنت أهزل ويجف لحمي ويتشقق جلدي وأذبل، وتتشنج عضلاتي من حمل سطول الماء وانحنائي على الغسيل و…

كانت النساء القرويات يكدحن ويتحملن كل مشاق العمل، في البيت وخارجه، فكن يشخن قبل الأوان، وتتغضن وجوههن، وتجف أجسادهن وتتشقق جلودهن ويصبحن كالجذوع الخاوية، وتتقوس ظهورهن وتنحني، ويصبن بكسور وتشوهات العظام، من ثقل ما يحملن عليها من أكياس الحبوب ورزم الحطب وقنينات الغاز، أو سلال القصب الكبيرة محملة بالزيتون، أو التين، أو العنب، أو الخضر وغيرها، وكن يربطن بالحبال أثقالهن إلى صدورهن، فتراهن يمشين ينوء بهن حملهن، وتنكفئ وجوههن إلى الأرض، بينما كان الرجال يسيرون وراءهن خفافا، أيديهم وراء ظهورهم، وإذا اقتنوا شيئا دسوه في سلالهن، وغالبا ما كانوا يركبون الدواب وتمشي خلفهن النساء… كنت أراني لا أختلف عنهن كثيرا، أنا المتعلمة والموظفة الآتية من المدينة، ذات العود الطري والقوام المعتدل، أقضي معظم الوقت منكفئة على وجهي أكدح، أو واقفة في القسم مشدودة إلى السبورة، وأسهر الليل لإعداد الدروس وتصحيح الفروض، ولا أنام أكثر من ساعة أو ساعتين… كنت أعاني من آلام الرقبة والظهر والركبتين، وأتألم في صمت، وأحاول التظاهر بأنني سعيدة، لكن هزالي وشحوبي، والهالات السوداء تحت عيني، وشرودي الدائم كان يفضحني. وصارت تطرق سمعي همهمات ووشوشات في العمل، وأحيانا في الطريق…

– كيف رضيت بهذا وصبرت عليه؟ وماذا عن وعوده بالانتقال..؟

– وركب على صبري واستغله أبشع استغلال، لم يكن يفكر في الانتقال، فقد كان قد تعود على حياة القرى بما توفره له من راحة وكسل وغش واستغلال بعيدا عن المراقبة والمساءلة التي قد يواجهها في المدينة… وسأعرف في وقت متأخر ما دمرني نفسيا وكشف لي دناءته وحقارته، سأعرف أن وعده بالانتقال كان مجرد طعم اصطادني به وفاز بالرهان، فقد كنت ضحية مراهنة تمت، في ليلة سكر، بينه وبين مديري وموظف في الجماعة، تراهنوا على كسر أنف “المتكبرة”، كما كانوا يصفونني، لأنني ببساطة لم أكن أعير أحدا اهتماما. فوظف كل منهم حيلا مختلفة؛ فمديري الذي كان متزوجا وابنه تلميذي، وكان سكيرا ومفلسا غالبا ما كان يحمل إلى بيته فاقدا لوعيه، لم أسلم من تحرشه، وقد بلغت به الوقاحة إلى اللحاق بي، ذات صيف، إلى طنجة، ليطرق باب أسرتي وأجده في وجهي، وظن أنني سأستضيفه لكنني صرفته، وظل يحوم حول البيت إلى أن خرجت ليتبعني ويعرض علي استعداده لتطليق زوجته، وتنازله عن مهام الإدارة للانتقال أستاذا إلى طنجة إن أنا وافقت على الزواج منه… أما موظف الجماعة وكان أيضا رب أسرة، فقد تحرى عني وعرف أنني لا أتسوق، وكنت أكلف تلميذا ليجلب لي حاجياتي، لأنني كنت أتحاشى الاكتظاظ والاحتكاك بالناس الذين يأتون من كل القرى المجاورة للتسوق يوم السوق الأسبوعي، فكان يعترض طريقه ويبعث معه لحما وسمكا، فكنت أرفضه وأتبرع به على تلميذي، وأوصيه بألا يقبل منه شيئا، إلا أنه ظل يحاول بشتى الطرق إلى أن يئس وتوقف…  

 

3 ردود على “ورطةُ العمر…! خديجة أجانا (المغرب)”

  1. الصورة الرمزية لـ
    غير معروف

    نص جميل.
    عبد الناصر لقاح

  2. الصورة الرمزية لـ
    غير معروف

    جميل ايتها الجميلة

  3. الصورة الرمزية لـ
    غير معروف

    الواقع المرير .تحياتي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending