عبد الرحمان زيطان (المغرب)

أعترف أني تعرضت لأغرب عملية ابتزاز عاطفي…!

في صباح يوم أمس، بالقرب من باب بيتي، وأنا أستعد للذهاب من أجل تأطير ورشة تكوينية بمؤسسة من المؤسسات التعليمية، استوقفني طفل، أجزم أنه ما تجاوز بعد من عمره سبعة أعوام. قصير القامة. قمحي البشرة. أسود الشعر والعينين. يرتدي وزرة بيضاء متوسطة المظهر، ويحمل محفظته على ظهره. قال لي بأدب مفعم ببراءة طفولية، وبدارجة واضحة المبنى والمعنى: أستاذ، الله يرحم والديك، كان عندي خمسة دارهم، سآخذها للمدرسة، لكنها ضاعت مني. سكت قليلا، وقد علت تقاسيم وجهه بوادر حزن وألم خفيف. أو هكذا بدا لي عن قرب، ثم أضاف في جملة أمرية قصيرة مفخخة بشحنة ثقة هائلة: اعطني خمسة دراهم.

والتزم الصمت يراقب رد فعلي المنتظر.

لا أدري في ماذا فكرت، وما الأمر الذي شغل عقلي الباطني، لكن ما أنا متأكد منه هو أني وقعت تحت تأثير غريب ما استطعت أن أنفذ من مخالبه. فوجدتني أسأله بما تيسر في نفسي من حنو: هل تريد أن تشتري بها شيئا ترغب فيه من الدكان؟

قال: لا.

قلت: احلف بالله أنك ستأخذها إلى المدرسة ولا تريدها في شيء يضرك.

ردّ بكل ثقة وحزم: والله العظيم يريدونها مني في المدرسة.

قلت: وفي أي مدرسة تدرس ؟

قال من دون تردد: بمدرسة كذا.

نظرت في عينيه لعلي أجد كلاما ما، يفيدني أكثر، فما وجدت. وما كان لي إلا أني وضعت يدي في جيبي ومكنته من المطلوب، وأنا ما تخلصت بعد من سلطة الحالة.

شكرني الطفل باحترام وانصرف كل منا في طريقه.

ذهبت إلى ما كنت أقصد ونسيت الحادث.

هذا الصباح، وأنا أعبر بسيارتي شارعا فرعيا، رمقت عيناي طفلا على ناصية شارع آخر. استوقف امرأة يكلمها وهي تنصت له في اهتمام ملحوظ. لا أدري ما كان حديثهما، لكن ما أنا متأكد منه هو أن الوقت نفسه، والمكان قريب. وأن الطفل ذاته، يرتدي نفس الوزرة ويحمل نفس المحفظة، ويقف نفس الوقفة، ويتكلم في استحياء، لكن بثقة وحزم.

استرجعت في داخلي كل التفاصيل. توقفت عند كل جملة قالها. فكرت كثيرا في أبعاد الحادث. لكني اكتشفت في النهاية أني أخطأت، وكنت ضحية لأغرب عملية ابتزاز عاطفي، أو على الأقل، هذا ما استطعت قوله لعقلي حتى يخرج من صدمته.

لا أدري ماذا أقول، وفي ماذا يجب أن أفكر الآن، وأنا أعيد بناء تفاصيل الحادث وأبعاده.

أيعني هذا أني كنت أمام نموذج طفل ينتمي إلى نفس المجال وإلى نفس الفضاء الذي ما زلت أمارس فيه حياتي، لكنه يتفوق علي بذكائه العاطفي، أم أن الأمر أكبر من ذلك.؟ يحتاج إلى إعادة تفكيك وإلى إعادة بنائه في ضوء السياق الراهن، سياق تأهيل الرأسمال البشري وإرساء النموذج التنموي الجديد، الذي في صلبه توجد المدرسة العمومية، والتي بمنطق الأمور كان من المفروض أن يكون هذا الطفل بين صفوفها يمارس حقه الطبيعي في التعلم، في تلك اللحظة الزمنية الصباحية من هذا اليوم الربيعي الجميل في هذه المدينة الجميلة…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending