أحمد لمقدم 
كاتب وشاعر (المغرب)
 
 

كانَ الجسدُ مُشدودًا إلى نُقطةٍ غائمةٍ في الفراغِ، كأنَّه شجرةٌ مقلوبةٌ، جذورُها في السماءِ وأغصانُها تَنبشُ ترابَ الكواكبِ. كانتِ الرغبةُ ناراً تُحيطُ بهِ من كُلِّ اتجاهٍ، تَرقصُ مثلَ غجريٍّ مُعَصَّبِ العينينِ، والهواءُ يَئنُّ تحتَ وطأةِ الظِّلالِ التي تأكلُ الضَّوءَ دونَ شبعٍ.

جلستُ في غُرفةٍ بلا جدرانٍ، أعدُّ أحلامي مثلَ عابرٍ يجمعُ حَصى طريقٍ لا ينتهي. الأحلامُ هنا ليستْ أكثرَ من فقاعاتٍ زُجاجيةٍ تَطفو على سطحِ النهرِ الأسودِ، كُلُّ واحدةٍ تَحملُ وجهًا غريبًا يُحدِّقُ بي بعينَيْنِ من رمادٍ. فجأةً، انفجرتْ واحدةٌ منها، وانبثقَ منها شبحٌ طائرٌ، جناحاهُ مصنوعانِ من قِصاصاتِ رسائلَ لم تُرسَلْ أبدًا.
قالَ لي بصوتٍ مكسورٍ: “لماذا تُحصي الفراغَ؟” أجبتُ، وأنا أغرقُ في التمَّاعِ عينيهِ: “الفَراغُ أنا، وكُلُّ ما أعدُّه يملأ شظاياي بالوهمِ.”
ضحكَ، وضحكَتِ السماءُ معه، فانهارتِ النجومُ كحجارةٍ من زُجاجٍ مُتحطِّمٍ. قال: “ألقِ بنفسكَ في النهرِ، ودَعِ الموجَ يأكلكَ. تخلَّ عن الأسماءِ، الأرقامِ، والرغباتِ التي تُزهرُ فيكَ كأشواكٍ تَطعنُ كيانَكَ حتى العدمِ.”
قفزتُ إلى النهرِ، فإذا بي أغوصُ في ذاكرةٍ لا تَنتمي لي. كانتْ كُلُّ قَطرةٍ من الماءِ تُغنِّي بنغمةٍ سورياليةٍ، كلماتُها طلاسمُ تتراقصُ بينَ الجُمَلِ، مثلَ: “الرغبةُ نافذةٌ مفتوحةٌ تُفضي إلى هواءِ آسنٍ”، و”الوقتُ طائرٌ أعمى يَبحثُ عن جناحَيْهِ في سديمِ الصمتِ.”
تعرَّيتُ من كُلِّ شيءٍ. نزعْتُ جلدي كقميصٍ رثٍّ، علَّقتُه على غصنٍ بلا أوراقٍ، وبدأتُ أعدُّ نبضاتي. كُلُّ نبضةٍ كانتْ تبتلعُ ما قبلها، كأنَّ قلبي آلةٌ جائعةٌ لا تعرفُ التوقفَ.
وعندما انتهيتُ من العَدِّ، وجدتُني أقفُ عاريًا أمامَ مرآةٍ مشروخةٍ. لم أجدْ سوى ظلي يبتسمُ بوجهٍ ليسَ لي. صرخَ الظلُّ: “أخيرًا، لستَ سوى الريحِ!”

أخذني الشبحُ إلى سديمهِ، جناحاهُ يَخلِفانِ وراءهما أثرًا من نُدوبِ ضوءٍ. كنتُ أسمعُ العالمَ ينهارُ من بعيدٍ، والأصواتُ تتحوَّلُ إلى طوفانٍ من حروفٍ لا تُكوِّنُ كلمةً. كنتُ، أخيراً، أتنفَّسُ اللاشيءَ.

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending