
الكاتب: أسامة الحنشي (المغرب).
كل الناس مشتركون فطرة في شعورهم بالزمن.. لكن لايخطر ببالهم السؤال عن ماهيته لأنه يعيش فيهم.. ومعهم بل هو بمثابة الهواء والماء لهم.. ومع ذلك تنتابنا أحيانا بعض الأسئلة التي تبدو غريبة واستثنائية وربما شادة..ماهي حقيقة الزمن؟ هل بالإمكان إيقافه؟هل بالامكان أن نعكسه..رجوعا..؟ وهل الزمن بريء من اتهامات سرقة أعمارنا؟
يتبادر لي أحيانا أن داخل الإنسان عبارة عن بناء هرمي الشكل صعب الوصول الى قمته.. وصعب النفاذ إلى عمقه.. وصعب احتواء خفايا زواياه.. بمعنى أن مسألة فهم هندسته تبقى مستعصية لكنها غير مستحيلة.. ومسألة فهم رسائله المشفرة تعتمد على مدى إيماننا وقناعاتنا.. بالوجدانيات والروحانيات.. بهذا المزج بين الأحلام والرؤى والمخيال.. بين المنطق واللامنطق.. بين القبول بهذه المتناقضات أو رفضها.. ونتيجة عدم قدرتنا في غالب الأحيان.. التوصل إلى فهمها يجعلنا نحس أن داخلنا.. يتحطم ويتداعى تدريجيا.. هذا التداعى.. وهذا التهاوي.. وهذا الاهتراء من الداخل.. يفضي بالضرورة إلى الإحساس بعدم الرضا على أنفسنا وذاتنا بل وعلى مسار حياتنا.. فتظهر لنا بعض الإشارات الضوئية اللامعة.. كشظايا نار متطايرة..أو كفتافيت نور خابية.. والتي سرعان ماتزول تاركة أثرا.. نفسيا.. من شأنه أن يوقظنا لنخرج من الشرنقة ونواجه الواقع.. قبل فوات الأوان..معظمنا يسرق منه الزمن بعضا من عمره أو ربما معظم مراحل عمره.. ونحن نسهل عليه تلك العملية الغير مشروعة.. ليس تآمرا وإنما مجرد استسهال عفوي..وتغافل عن قيمة اللحظة بحياتنا..حقيقة لابد أن نعيد النظر في محطات قطار العمر وأن نقيم كل مرحلة حتى نستفيد مما تبقى أمامنا بصورة أفضل.. محطة عمرية نعيشها لنا.. لأنفسنا.. لذاتنا.. دون اعتبار للآخر الذي معظمنا كان يعيش من أجله.. من أجل ارضائه..من أجل الحصول على مباركته..هذا الآخر الذي هو المجتمع بكل مكوناته بدءا بإرضاء رؤساء العمل..إرضاء كل من يتعامل معنا من أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم وتراتبيتهم..ونغفل إرضاء أنفسنا.. رغباتنا.. هواياتنا.. طموحاتنا… محاولين جاهدين على حساب إرهاق أنفسنا وتحميلها أعباء فوق المستطاع.. إرضاء للآخر الذي لايهتم أساسا..وكأننا مجرد خدم سخرنا لتطبيق أوامره وتنفيذ طلباته..لا أنكر أن طوال فترة العمل كنت لاأقف ولا أتوقف دائم العمل.. بادلا كل الجهد وكل الطاقة.. كم ألغيت من برنامج عائلي ووقفت ضد تنفيذه والاستمتاع مع العائلة به..من أجل عيون العمل.. من أجل أن يقال لقد فضل العمل على عائلته إنه جدي وملتزم و… وأحيانا من أجل تجنب المواجهات والخصامات.. وأحينا أخرى من أجل أشخاص لايستحقون.. وفي هذا المسار يحدث أن نفقد أشخاصا تربطنا بهم رابطة الدم والنسب..دون أن نوليهم حقهم من وقتنا المسخر أساسا لأشخاص آخرين تحت أي مسمى كان.. كم من الدقائق منحناها لآبائنا وأمهاتنا.. لزوجاتنا.. لأبنائنا.. للمحيط العائلي..؟ بضع لحظات بائسة يتيمة في خضم شهور.. فرضتها ربما مناسبة عائلية.. قد تكون بالغالب وفاة قريب.
أين هم أصدقاء الأمس.. ماذا عن علاقاتنا بهم.. الكل منهمك مشغول.. نبتعد عن بعضنا البعض.. بفعل المسؤوليات المهنية والالتزامات العائلية.
كم تمنيت لو عشت حياتي.. زمني حسب رغباتي وهواياتي ومتمنياتي..بدل ذلك الزمن المهدور. وتلك الحياة الزائفة.. التي لاترضي إلا نظرة المجتمع..وكم تمنيت لو منحت وقتي لعائلتي وأقاربي وأصدقائي.. بدل التوهان في عالم العمل.. والعلق في تشابكات خيوطه العنكبوتية.
نعم يمضي الزمن ويمضي قطار العمر وننشغل بالآخرين عن أنفسناوعن أحلامنا.. وعن أفكارنا.. وعن مخططاتنا.. عن أسرنا.. ونترك كل هذا بسذاجة ونجري وراء حياة تسعد و ترضي غرور الآخرين.. لنسمع منهم عبارات الثناء الباهتة.. الزائفة.. الذابلة.
نعم نحن نعيش في الزمن.. وحياتنا لصيقة بها.. صفة الزمنية.. والزمن يمضي قدما.. لايتوقف إلا عندما نشعر به إحساسا في الأزمات النفسية.. وتمضي معه حياتنا.. مرورا بالمحطات.. والزمن هو باقة تفوح عطرا وآمالا وأمنيات تنعش الحياة.. وهو الشريان الذي يبعث روحنا ويوقظها من سبات.
عندما ندرك مفهوم الزمن.. ندرك مفهوم الحياة الحقة.. ونكتشف خفايا خريطة الطريق التي ينبغي السير وفقها.
وخلاصة القول أن الزمن هوالزمن لايتغير.. وإنما تباين حالات نفسياتنا.. والظروف الحياتية لكل فرد هي من تشعرنا بأن الزمن غير الزمن.. سرعة وبطئا.. كما أنه لايتوقف..ولايعود الى الوراء.. وإنما تعود الذكريات ويعود الحنين.. والحقيقة أن الزمن برئ من سرقة حياتنا.. وبالتالي نحن المسؤولون عن ضياعه وضياع فسحة الحياة.. علينا أن نحترم ثوانيه ودقائقه وساعاته.




اترك تعليقاً