التناص من أكثر المصطلحات الأدبية التباساً، إنه من الناحية العلمية الإفادة من نصّ آخر في خلق نصّ جديد، دون أن يبدي صاحب النص الجديد اهتماماً بذكر صاحب النص الأول، ما يهم هو اقتناص الفكرة، أو استلابها وتقديمها على أنها نص إبداعي من خيال الكاتب الذي اقتنصها من صاحبها مثل صيدٍ ثمين، وهو على أية حال ليس أمراً جديداً، فقد سمّاه العرب سابقاً (النحل والإنتحال والوضع)، وهم يشيرون بذلك إلى عدم الصدق في عائدية النصوص، أو سرقتها، أو نسبتها لغير أصحابها، لكن التناص حالياً لا يُعد سرقة وإن بدا من ناحية ما مثل سرقة أنيقة.
الحقيقة أن بين التناص والسرقة خيط رفيع جداً، لو تضرر هذا الخيط لتحول إلى مجرد إستلاب فكري علني، وما ألاحظه حالياً في الوسط الأدبي، ليس المحلي فقط، إنما العربي، والعالمي حتى، هو أن هذا الخيط قد تم نسفه تماماً، برعاية التناص الذي هو شرعنة السطو على الأفكار والأساليب.
هناك نوع واحد من التناص قد يبدو مقبولاً، من وجهة نظر أدبية وأخلاقية، وهو التماهي أو المحاكاة العلنية لنص آخر. تبدو رواية (فرانكشتاين في بغداد) لكاتبها أحمد سعداوي مثالاً جيداً عن نوع مقبول من التناص، حيث أن العنوان يعطي انطباعاً واضحاً عن فكرة العمل التي سيعمل الكاتب على إعادة خلقها وفق رؤية معاصرة، وهو يقول-عبر العنوان- بشكل صريح أنه بصدد خلق فرانكشتاين جديد، بأدوات جديدة ملهِمة، مشيراً إلى الرواية الأصلية.
إن ما يحصل في الوسط الأدبي بحجة التناص بات غريباً، فهناك من يسرقون الأفكار، وهناك من يسرقون البناء الفني، والسرقة الأدهى هي سرقة النص بما حمل، حتى بأخطائه وضعفه، وقد كانت مواقع التواصل عاملاً مشجعاً على السرقات التي عندما يتم مواجهة كتابها بالحقيقة، فإن التناص هو إجابتهم الحاضرة.
يظن البعض أن الأسماء الأدبية العالمية الكبيرة هي فوق الشبهات التناصية، لكن هذا (جورج أورول) صاحب الرواية المعروفة (مزرعة الحيوان)، يستلب فكرته بحرفية شديدة من رواية( مزرعة البهائم) للكاتب الروسي المغمور (نيكولاي كوستومارف) وهو كاتب ثوري من القرن التاسع عشر، وبالإمكان الإطلاع على الروايتين، وسيتم اكتشاف الشبه الحرفي بين العملين الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال إيعازه إلى الصدفة، لقد استطاع جورج أورول إقناع العالم بأن الرواية هي من ابداعه الشخصي تماماً، كما يفعل حاليا الكثير من الكتاب المعروفين، وبطبيعة الحال لا أحد يشكّك بهم أبداً مادام لأسمائهم بريق يحصنهم، ومادام هناك الكثير من المغمورين الذين يكتبون باحترافية عالية، لكن نصوصهم عرضة للإستلاب والمصادرة.
إن ما يتم إكتشافه من تلك السرقات كثير، لكن الإشارة إليها محدود جداً، هناك تعتيم على ما يتم إكتشافه تجنباً لإثارة الرأي الأدبي العام، فضلا عن السرقات الخافية غير المكتشفة، برأيي أن كشف تلك السرقات مهم جدا، للحد منها، فمن المشين أن كاتباً يبدع فكرةً ما، يؤلف نصاً مهماً، ليكون بعد ذلك لقمة سائغة بفم كاتب آخر جفت موهبته، وأفلت واندثرت.
إنّني هنا أتساءل فقط، هل سرقة الأشياء النابعة من أرواحنا هي أقل جرماً من سرقة الأشياء المادية؟ يتم فرض عقوبات على أشخاص بتهمة ارتكاب السرقة، فيما تتم مباركة سرقة الإبداع الروحي، الجهد العقلي والعاطفي بمباركة مصطلح التناص، وبتغاض واضح من المعنيين، كتّاباً ونقّاداً، وسواهم في المؤسسات الثقافية.
بقلم: تماضر كريم (العراق)




اترك تعليقاً