الكاتب: د. خالد طحطح (المغرب)
 
 

شكل التحقيب معضلة على الدوام، ونتوقف هنا أمام مقاربات مغايرة تتبعها المؤرخ جون ماري لوغال بكثير من الدقة، ومنها تلك التي تعتبر التحقيب مشكل مجال لا مشكل أحداث، فكوننة التحقيب استنادا لأحداث اجتماعية أو اقتصادية يتضمن إغفالا سافرا للمجالات وتعددها، وهو نوع من ممارسة ديكتاتورية الزمن. يعتور التحقيبَ ضعفٌ في الأجرأة لأنه يفضي إلى تعميمات وخلاصات تنطوي، في النهاية، على كثير من التحريف. لهذا يُؤاخِد الكثيرون على تبنيهم تحقيبات تعميمية ساذجة، لأنهم يختلقون تزامنات كثيفة، على الرغم من أن كل شيء لا يشتغل بنفس الإيقاع في التاريخ. تستضمر عملية التحقيب ضمنيا شططا كبيرا بالنظر إلى تسليمها بوجود تقطع زمني وانسجام في الآن ذاته، حيث تعرف كل المجالات والأوساط والأمكنة نفس التطور وفق تزامن منسجم.

تبقى حيواتنا في النهاية، كما يقول كريستوف بوميان، عبارة عن “تعايش لأزمنة متفاوتة”، ووحدها الولادة والوفاة كفيلتان بجعل “أَنَوَاتِنَا” المختلفة متزامنة، لكن هل يكفي هذا التزامن لجعلهم من معاصرينا؟ بالطبع لا يكفي.

من ذا الذي يجهل، بالنظر إلى تعقد الزمن المعيش على المستوى الفردي، أن تحقيب المجتمعات عملية اختزالية محفوفة بالأحكام الجاهزة.

لقد ترك انهيار النماذج التفسيرية الكبرى التي تستند إلى قراءة سوسيو-اقتصادية للتاريخ المجالَ لتاريخ مفتت لم تعد فيه “الحقبة” موضوع الدراسة، بل “الحقل”، ولنجاح دراسات التابع دور كبير في هذا التحول،

أدى تعدد الاختصاصات وانفتاحها على العلوم الاجتماعية إلى تبخيس التقطيع إلى حقب موحدة للزمن الذي يعتبر في الأساس عارضا. هل من المعقول، أمام هذه التحديات التي تجعل كل محاولات التحقيب اعتباطية، الاستمرار في تقطيع تاريخ الإنسانية الذي تتعايش فيه مجتمعات مختلفة وتتجاور فيه بيئات وأجيال متباينة؟

ما الجدوى من إجهاد النفس في رسم معالم حقبة تتساكن فيها أزمنة متداخلة؟ وإذا كان الزمن في حالة تمدد، هل يجبُ مراجعة التحقيب باعتباره سُلَّمًا متحركا نستعمله باستمرار لقياس الماضي؟

هل يجب التخلي عن التحقيب على اعتبار أنه متكلِّف واختزالي وانتقائي وينطوي أيضا على نزعة ما وخلفية؟ ألا يجدر بالمؤرخين التخلي عن وهم عُدتهم الاستدلالية؟

إن التحقيب عمل ديداكتيكي وتركيب وبلاغة لا غير. لا ينظر إلى الحقبة على أنها مجرد وحدة كرونولوجية، بل هي فلسفة زمنية أو “كرونوزوفيا”.

الحديث عن مرحلة انتقالية لأسباب حدثية طارئة محض مراوغة، لأن ما من عصر إلا وهو في حالة انتقال، يفترض قَبْلا وبَعْدا، ونقطة انطلاق ونقطة وصول. في كتابه “دفاعا عن التاريخ” يسْخر مارك بلوك من طريقة معينة في كتابة التاريخ، والمتمثلة في ترتيب القرون بغية توزيع الزمن وفق إيقاع رتيب.

لا يمكن للتاريخ أن يكتفي بمجرد كونه كرونولوجيا أو مستودع تواريخ، فعلى غرار رواية التحول وجب تغيير النمط السردي ووضع القارئ في قلب الأحداث حتى يتمكن من تتبع مسار قطار تدور داخله فصول الرواية، بدلا من محاولة كتابة التاريخ على منوال اللوحات الجصية ذات البعد الغائي، وهذا ما فعله لوغال في دراسته الموسومة بــ: دفاعا عن عصر النهضة.

إن أصعب مهمة يمكن أن يضطلع بها المؤرخ النبيه هو ممارسة التحقيب دون الانصياع لخطية الزمن التي تجره عادة إلى مقارنة الحقب فيما بينها، ورصد التطورات، مما يدفعه إلى الجزم بوجود دورات أو الوقوف على انتكاسات، والسقوط أحيانا في أحكام قيمة وتناقضات فجة. تكمن الصعوبة في التحقيب وفي سرد الأحداث لكن دون السقوط في جرد وقائع تنتمي إلى مستقبل رُسمتْ معالمه سلفا من لدن غائية أو سببية حرمتِ التاريخ من الانفتاح على إمكانات تحقق مغايرة، ولا شيء أكثر عبثا من أن يخلد التاريخ روادا لم يروا أنفسهم قط كذلك.

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Trending